العراق / بغداد / وطننا

نصير النقيب

ليس من المنطقي أن يسرق شخص أو بضعة أشخاص كل هذه المليارات من الدنانير، على مدى سنوات طوال، من دون أن تكشف الجهات المعنية سرقاتهم، لذلك لاتنطبق قصة «علي بابا والأربعين حرامي» على فضيحة الفساد في الجمارك، التي بدأت فصولها تترى منذ فترة وتكشف عن نهب منظّم لواردات هذا المنفذ الحيوي لخزينة الدولة.

كيف بدأت القصة؟

بحسب جهات حكومية وأخرى برلمانية، بدأت قصة نهب واردات الجمارك تتكشف وتفوح روائحها النتنة بالتزامن مع إضرابات سوّاق الشاحنات التي تنقل البضائع من خلال المنافذ الحدودية، وشكاوى هؤلاء السوّاق من عمليات الابتزاز وفرض رسوم غير قانونية ورِشا مقابل السماح لهم بالمرور من هذه المنافذ، ومع اتخاذ الحكومة سلسلة من الاجراءات لضبط آليات استيفاء الضرائب والرسوم، وهي إجراءات حدّت، كما يبدو، من حرية الفاسدين في نهب المال العام ، تكشفت الفضيحة فصلاً بعد فصل، والمحصلة الأولى عما كانت عليه في السنوات الماضية التي أسفرت عنها الإجراءات الحكومية هي ارتفاع واردات الجمارك عشرات الأضعاف.

24 مليار دينار في شهر واحد

وبحسب الناطق باسم المكتب الإعلامي لرئيس مجلس الوزراء سعد الحديثي فقد بلغت إيرادات الدولة من الجمارك 24 مليار دينار في كانون أول الماضي بعد أن كانت لاتتجاوز نصف المليار دينار في الشهر ذاته من العام الماضي، بعد إجراءات اتخذتها الحكومة مؤخراً لمواجهة الفساد في هذا المرفق الحيوي.

231 مـلـيـاراً في عام

أما رئيس الهيئة العامة للجمارك كاظم علي فقد قال، في تصريح لصحيفة الصباح، إن هيئة الجمارك العامة حققت عائدات مالية للدولة تــجــاوزت الــ 647 مـلـيـار ديــنــار لـلـعـام المـاضـي بــزيــادة تــقــدر بــ 231 مـلـيـار ديــنــار عــن الـعـام الذي قبله.

وبـ «حساب عرب» ووفقاً للأرقام الرسمية أعلاه فقد كان يُنهب ويدخل إلى جيوب الفاسدين في الجمارك وخارجها نحو 20 مليار دينار شهرياً، و230 مليار سنوياً.

أرقام فلكية

وإذا ما ضربنا الرقم الأخير بعشر سنوات من النهب في أقل تقدير، فستكون لدينا أرقام فلكية تفوق إيرادات الدولة الأخرى، إذ تبلغ السرقات ألفين وثلاثمئة مليار دينار كانت تكفي لبناء عشرات المشاريع وآلاف المدارس والجسور. وقـال كاظم علي إن «تفعيل قانون التعرفة الجمركية والـرقـابـة المـيـدانـيـة والمـتـابـعـة المـسـتـمـرة مـن قبل المسؤولين في وزارة المالية والهيئة أسهمت في تحقيق مبالغ كبيرة للدولة وهـذا ما ينطبق مع تـوجـهـات الـحـكـومـة الـخـاصـة بـتـعـدد وتـفـعـيـل مصادر الدخل وعـدم الاعتماد على النفط فقط في إعداد الموازنة». وأشار إلى أن “الهيئة حققت عائدات خلال شهر كانون الثاني للعام الحالي تتجاوز الـ 68 مليار دينار بعد أن كانت لنفس الشهر من العام 2016 (19) مليار دينار فقط”.

وبالعودة إلى تصريحات الحديثي فإن إنجاز مراحلَ مهمةٍ لضبط المنافذِ الحدوديةِ وأخضاعِها للمراقبة قد تمّ في إطار جهودِ الحكومة لمحاربةِ الفساد وغلق منافذِه. مبيناً أن هذه الجهودَ الكبيرة التي بُذلت تمت بمتابعة مباشرة من مكتب رئيس الوزراء.

بيع وشراء المناصب

من جهتها، أكدت اللجنة المالية في مجلس النواب٬ أن 75 بالمائة من الإيرادات الجمركية تذهب إلى جيوب المفسدين٬ بينما أكد عضو في لجنة النزاهة النيابية أن المنافذ الحدودية تشهد عمليات بيع وشراء المناصب بملايين الدنانير. وقال عضو اللجنة المالية في مجلس النواب مسعود حيدر، في تصريح صحفي، إن “اللجنة المالية ستركز في الفصل التشريعي القادم لمجلس النواب على ما ستحققه الحكومة من إيرادات الجمارك والمنافذ الحدودية”٬ داعياً الحكومة إلى “تشديد الرقابة على المنافذ الحدودية”.

وأضاف أن “75 بالمائة من الإيرادات الجمركية في المنافذ الحدودية تذهب هباءً ولا تدخل إلى خزينة الدولة بسبب المفسدين”.

جهات مشتركة في السياق ذاته، قالت عضو اللجنة المالية النيابية ماجدة التميمي إن «قانون الجمارك تضمن نسبة إعفاءات تبلغ 63 بالمائة، في حين حددت نسبة 37 بالمائة مشمولة بالرسوم الجمركية»، مبينة أن «99% من هذه الرسوم تذهب إلى جيوب الفاسدين».

وأضافت في تصريحات صحفية أن «رواتب موظفي الجمارك لا تختلف عن أقرانهم في الدوائر الأخرى، لكنهم يسكنون في عمان وبيروت وتركيا وأربيل»، لافتة إلى أن «الموظف لا يستطيع بمفرده تمرير الفساد إلا إذا كانت هناك جهات عدة مشتركة».

وأوضحت التميمي أن «منفذ الصفرة على سبيل المثال بلغ حجم الإيرادات فيه في شهر شباط ملياراً و293 مليوناً، لكن بعد أن تم تشكيل لجنة من رئاسة الوزراء أخذت هذا المنفذ وسيطرت عليه، ارتفعت الإيرادات في آب إلى 11 ملياراً ووصلت في تشرين الأول إلى 20 ملياراً».

مافيات خطيرة

أشارت التميمي إلى أن «هؤلاء يشكلون مافيات خطيرة تتألف من سياسيين وأحزاب وميليشيات تسيطر على المنافذ الحدودية ولا يوجد أحد يستطيع الحديث معهم لأنهم يهددونه، كما أنهم يسيطرون على مواقع التواصل الاجتماعي ويقومون بتسقيط واتهام من يتحدث عن الجمارك باتهامات باطلة».

وكان محافظ البنك المركزي علي العلاق أكد في (13 كانون الثاني 2016) أن الرسوم الجمركية يعتريها الكثير من «الخلل والفساد» وضعف في الأداء، وفيما أشار إلى أن ما يتم تحصيله في المنافذ يفوق إيرادات الدولة الأخرى، طالب بإخضاع جميع المنافذ لنفس المعايير في التدقيق.

عصابات الأحزاب

أما رئيس اللجنة الأمنية النيابية حاكم الزاملي فقد أكد أن المسؤولين عن السيطرات والمنافذ الحدودية والكمارك يقومون بابتزاز المواطنين ويقومون بأخذ مبالغ مادية كبيرة لقاء دخول أشخاص ومركبات بدون تفتيش. واعتبر الزاملي في تصريحات صحفية أن من يقوم بفرض رسوم على المواطن في السيطرات الأمنية هم شبكة منظمة.

وقال أن تلك الشبكة تتسبب في «إرباك دخول الشاحنات مما يضطر سائقي الشاحنات إلى دفع مبالغ مالية للمنتسبين الفاسدين».

ويلمح رئيس اللجنة الأمنية إلى أن تلك الشبكة تدار من قبل «عصابات الأحزاب». كما يقول إن تلك التصرفات تسببت في إحداث ضرر مباشر بالمواطن من خلال تلف البضائع الداخلة ما يؤدي إلى ارتفاع أسعار البضائع في الأسواق المحلية. وأضاف أن “أفراد السيطرات أصبح همّهم جباية وابتزاز المواطن وليس التفتيش عن الممنوعات والأسلحة والعناصر المشبوهة إلى أن وصلت جباية الأموال إلى أرقام خيالية”.

وبرغم افتضاح هذا الملف الخطير إلا أن الإجراءات الرادعة لاتزال قاصرة في محاسبة ومعاقبة المتورطين فيه واستعادة الأموال المنهوبة منهم.