وكالات / وطننا /

مصطفى سعدون/

في الوقت الذي يريد تعزيز علاقاته مع الاتّحاد الأوروبّيّ عبر البوّابة الفرنسيّة، يجد العراق شروطاً وضعتها باريس مقابل تقديم المساعدات وبيع السلاح لبغداد. وتتركّز هذه الشروط في إبقاء عناصر تنظيم “داعش” الذين يحملون الجنسيّة الفرنسيّة في العراق ومحاكمتهم فيه، ومقابل ذلك، هناك ضغوط على العراق في شأن محاكمة ألف عنصر أجنبيّ داخل أراضيه.

وتستعدّ بغداد وفقاً لمصدر قضائيّ , إلى “محاكمة 12 فرنسيّاً قاتلوا إلى جانب تنظيم “داعش” في العراق وسوريا، وتمّ اعتقالهم من قبل قوّات سوريا الديمقراطيّة في سوريا قبل أسابيع”، وهذا يعني أنّ هناك موافقة عراقيّة رسميّة على محاكمتهم، لكنّها لم تعلن في شكل رسميّ.

ويبدو أنّ العراق الذي يتعرّض إلى ضغوط فرنسيّة، يحاول استثمارها للحصول على ملياري دولار تقريباً عن المحاكمات التي طلبت أن تجرى داخل أراضيه لمقاتلي تنظيم “داعش” الذين يحملون جنسيّات أجنبيّة، خصوصاً أولئك الفرنسيّين الذين تسعى فرنسا إلى عدم إعادتهم إلى أراضيها.

لكنّ الحديث عن إبقاء مقاتلي تنظيم “داعش” الأجانب في العراق، يثير قلق مسؤولين ومواطنين عراقيّين، فهم يخشون من احتمال أن يعيد هؤلاء تنظيم قواهم ويجنّدوا عدداً جديداً من المقاتلين في تلك السجون. ويتعرّض العراق إلى ضغوط وإغراءات في الوقت ذاته من أجل محاكمة هؤلاء في العراق وعدم إعادتهم إلى بلدانهم التي يحملون جنسيّاتها.

إنّ الزيارة التي قام بها رئيس الحكومة العراقيّة عادل عبد المهدي لم تنتج في شكل فعليّ أيّ اتّفاق رسميّ بين البلدين، بل كان الحديث عن ملفّات عامّة، وإن قيل إنّ الزيارة شهدت توقيع اتّفاقيّة استراتيجيّة بين البلدين، إلّا أنّ التركيز كان على مقاتلي “داعش” الأجانب.

مصدر حكوميّ عراقيّ كان يرافق عبد المهدي في زيارته إلى باريس تحدّث رافضاً كشف اسمه، عن أنّ “أكثر ما طرحه الجانب الفرنسيّ خلال زيارة عبد المهدي، تركّز على ملفّ محاكمات عناصر “داعش” الفرنسيّين في العراق”.

ووفقاً للمصدر، فإنّ ما لمسه الجانب العراقيّ يؤشّر إلى أنّ “فرنسا لن تخطو أيّ خطوة إلى الأمام في مجال دعم العراق، ما لم تتأكّد نهائيّاً من قبول العراق رسميّاً محاكمة المقاتلين الفرنسيّين المنتمين إلى “داعش “في المحاكم العراقيّة”.

وقال إنّ “لا شيء ملموس من الاتّفاقيّات التي وقّعها العراق مع فرنسا، ولا حديث عن أرقام وسقوف زمنيّة ومشاريع محدّدة، بل بقي الحديث عامّاً، فقط كان تفصيليّاً عن الجهاديّين الذين لا تريد فرنسا عودتهم إلى باريس ومحاكمتهم هناك، وتحاول قدر الإمكان إقناع العراق وإرضائه لإبقائهم عنده”.

ويؤكّد الرئيس الفرنسيّ إيمانويل ماكرون أنّ “محاكمة مقاتلي “داعش” الفرنسيّين الذين تمّ أسرهم في العراق وسوريا يجب أن تتمّ في الدول التي يواجهون فيها اتّهامات”، هذا يعني أنّ هؤلاء سيواجهون حكم الإعدام، كون القضاء العراقيّ كثيراً ما يصدر أحكام الإعدام في حقّ عناصر تنظيم “داعش”.

ويتناقض هذا الموقف مع المواقف الفرنسيّة السابقة التي كانت تهدّد بالتدخّل في حال صدرت أيّ من أحكام الإعدام في حقّ الجهاديّين الفرنسيّين نتيجة خوفهم من الإجراءات القضائيّة العراقيّة وغياب المحاكمات العادلة، لكنّهم صاروا الآن يحاولون إقناع بغداد من أجل محاكمتهم هناك.

قال رئيس المجموعة العراقيّة للدراسات الاستراتيجيّة واثق الهاشمي : إنّ “رئيس الجمهوريّة العراقيّ برهم صالح اتّفق مع الفرنسيّين خلال زيارته الأخيرة على أن يتبنّى العراق عمليّات محاكمة الفرنسيّين الـ”دواعش”، وهنا تبدي البرلمانيّة السابقة ريزان الشيخ مخاوفها من أن يعيد التنظيم هيكلة نفسه من داخل السجون.

وتقول ريزان الشيخ : “سجوننا فيها مشاكل عدّة، وهي غير إصلاحيّة، ومن الممكن والمحتمل في شكل كبير أن تكون بداية انطلاق تنظيم إرهابيّ جديد، لذا على العراق عدم القبول بهذه الصفقة”.

في العراق ووفقاً لمعلومات منتشرة ، فإنّ الاكتظاظ داخل السجون والمعتقلات العراقيّة تجاوز نسبة الـ120%، كما أنّ العراق لا يمتلك معتقلات وسجون جديدة تتطابق والمعايير الدوليّة التي ستضعها فرنسا ودول أخرى شروطاً على العراق.

ويحذّر الباحث في مركز النهرين للدراسات الاستراتيجيّة هشام الهاشمي من احتمال تحوّل السجون العراقيّة إلى “بوكا” جديد تتنظم فيه وتنمو التنظيمات الإرهابيّة، ويقول : “ليس من صالح العراق أن تكون هناك محاكمات لهؤلاء داخل العراق، فإنزال عقوبة الإعدام في حقهم سيهيّج المنظّمات الحقوقيّة الدوليّة ضدّ العراق، وإبقاؤهم في السجون سيعطيهم فرصة إعادة ترتيب أوراقهم”.

وتتّفق مسؤولة الحملات في منظّمة العفو الدوليّة رازاو صالحي مع ما ذهب إليه الهاشمي في شأن مخاوفه من تحوّل السجون إلى “بوكا” جديد، وتقول : “التقينا بالعديد من العائلات التي قالت إنّ أقاربها الذكور انضمّوا إلى “داعش” بعد احتجازهم في سجون مثل “بوكا””.

إنّ الحكومة الفرنسيّة تتعرّض إلى ضغوط من قبل الإعلام والمنظّمات الحقوقيّة التي تشكّك بـ”عدالة” القضاء العراقيّ وترفض أحكام الإعدام التي أوقفتها فرنسا منذ عام 1977، لذا تطالب ماكرون بالضغط على العراق لمحاكمتهم بعقوبات لا تصل إلى الإعدام.

وتعود صالحي لتبدي مخاوفها من صدور أحكام إعدام في حقّ عناصر تنظيم “داعش” الفرنسيّين، وتقول: “بناء على ما رأيناه في السنوات الأخيرة، من المحتمل جدّاً أن يتمّ استخدام عقوبة الإعدام. لا يزال العراق في قائمة الدول في العالم الأكثر استخداماً لعقوبة الإعدام، وغالباً ما تردّ السلطات على الهجمات ذات الصلة بالإرهاب بإعلانها عمليّات الإعدام”.

وتتطابق مخاوف المنظّمات الحقوقيّة مع ما لمّح إليه الرئيس العراقيّ صالح خلال زيارته إلى باريس في شباط/فبراير الماضي، وهو احتمال تعرّض الفرنسيّين الذين سيخضعون إلى محاكمات في العراق إلى الإعدام، وفق قوله.

في المحصّلة، إنّ العراق سيكون أمام صفقة نستطيع القول عنها إنّها “خاسرة”، فالأموال التي سيحصل عليها قد لا تذهب إلى المكان الصحيح، كما أنّه لا يمتلك الآليّات التي تمنع الإرهابيّين من استثمار وجودهم في السجون لتجنيد عناصر آخرين لتنظيم اسمه “داعش” أو لاسم آخر.