وكالات / وطننا /

مصطفى سعدون /

وجه وزير الخارجية الإسرائيلي يسرائيل كاتس، في الرابع والعشرين من تموز/يوليو الماضي رسالة إلى العراقيين عبر صفحة (إسرائيل باللهجة العراقية) التابعة لوزارة الخارجية الإسرائيلية والتي تستهدف العراقيين من خلال التواصل معهم.

وتأتي رسالة كاتس بمناسبة مرور عام على إنشاء الصفحة، لكن هذا لم يكن الحدث الوحيد حينها، فمعلومات أخرى نشرتها الخارجية الإسرائيلي تفيد بوجود صحفيين عراقيين زاروا إسرائيل ضمن وفد صحفيين عرب، لكنها لم تكشف عنهم.

يُثار جدلاً في الآونة الأخيرة في العراق بشأن التطبيع مع إسرائيل ومن هي الشخصيات التي تدعو له، خاصة في ظل وجود قوى سياسية كبيرة ترفض هذا التطبيع.

في 11 تمّوز/يوليو الحاليّ، أعلن النائب في البرلمان العراقيّ حنين قدو عن “تحرّك مجموعة من أعضاء مجلس النوّاب العراقيّ للمطالبة باستبدال السفير العراقيّ في واشنطن، إذا ما ثبتت تصريحاته بشأن التطبيع مع إسرائيل”.

وتأتي تصريحات حنين قدو على خلفيّة فيديو انتشر في 6 تمّوز/يوليو الحاليّ للسفير العراقيّ في الولايات المتّحدة الأميركيّة فريد ياسين تحدّث فيه خلال ندوة في فيرجينيا الأميركيّة عن العلاقة مع إسرائيل والعوامل الموجودة واليهود العراقيّين هناك أيضاً، وقال فريد ياسين: “إنّ هناك أسباباً موضوعيّة قد تدعو إلى قيام علاقات بين العراق وإسرائيل، منها أنّ هناك جالية عراقيّة مهمّة في إسرائيل، والتي ما زالت تعتزّ بتقاليدها، وخصوصاً في حفلات الزفاف والمناسبات الأخرى”.

تصريحات ياسين أثارت ضجّة كبيرة في العراق، واعتبرت أنّها “دعوة” إلى التطبيع مع إسرائيل، التي تعتبرها سياسة الدولة العراقيّة من الدولة “العدوّة”، وفقاً لتصريحات رسميّة عراقيّة صدرت في أوقات سابقة عن مسؤولين حكوميّين عراقيّين، رغم أنّ إسرائيل أزالت العراق من قائمة “الأعداء” في بداية العام الحاليّ.

وعلى أثر الضغط الذي تعرّضت له وزارة الخارجيّة العراقيّة، اضطرّت في اليوم ذاته إلى إصدار بيان صحافيّ لم يكن واضحاً، وكان خالياً من الموقف تجاه ياسين، لكنّه ركّز على وصف إسرائيل بالدولة “المحتلّة” وعدم إقامة علاقة معها.

البيان لم يدافع عن ياسين ولم يكن ضّده، بيد أنّه قال: إنّ “وسائل الإعلام نقلت تصريحات غير مسؤولة للسفير العراقيّ في واشنطن”، ولم يوضح هل كان يقصد تصريحات ياسين غير مسؤولة أم طرق تناولها في وسائل الإعلام.

ولدى سؤال المتحدّث باسم الخارجيّة العراقيّة أحمد الصحّاف، أشار إلى أنّه “لن يعلّق ويكتفي بالبيان الرسميّ للوزارة”.

التصريحات أثارت ردود فعل كثيرة على المستويات الشعبيّة والسياسيّة والبرلمانيّة، فنائب رئيس البرلمان العراقيّ حسين الكعبي الذي طالب باستدعاء ياسين، قال: “إنّ هذه التصريحات لن تكون جزءاً من ثقافتنا ولا أفكارنا ولا حتّى ضمن سياسة الدولة العراقيّة”.

من جهته، قال رونين زايدل، وهو مؤرّخ إسرائيليّ متخصّص في تاريخ العراق من معهد “دايان” في جامعة تلّ أبيب : “إنّ التصريحات عبّرت عن رأي السفير الشخصيّ، وأنا أعتبرها تصريحات إيجابيّة، لكنّها لا تتناسق مع موقف العراق وسياسته الرسميّة”.

وعن إمكانيّة أن يلعب يهود العراق في إسرائيل دوراً في تحقيق علاقة بين بغداد وتلّ أبيب، قال رونين زايدل: “إنّ البعض منهم يلعب هذا الدور، لكن هذا لا يكفي. كما أنّ ما تحدّث به السفير هو رأيه وحده ولا يكفي لإنجاح التطبيع، وما عبّر عنه هو رأي متداول بين مختلف أصناف المثقّفين الأحرار في العراق”.

ودعا إئتلاف دولة القانون، الذي يتزعّمه نوري المالكي، في 9 تمّوز/يوليو، إلى “الوقوف أمام محاولات التطبيع مع الكيان الصهيونيّ، وطالب باستدعاء السفير العراقيّ في واشنطن للتحقيق معه حول تصريحاته. كما طالب وزارة الخارجية باستبداله”.

أمّا على المستوى الشعبيّ فلم تكن هناك ردّة فعل غاضبة انجرّت خلف ردود الفعل السياسيّة، وهذا لا يعني بكلّ تأكيد وجود قبول شعبيّ عراقيّ بالتطبيع مع إسرائيل، إلاّ أنّ الحدث جاء مع مجموعة أحداث أخرى غطّت عليه على مواقع التواصل الإجتماعيّ العراقيّة.

وكانت انتشرت في كانون الثاني/يناير من عام 2019 معلومات في وسائل الإعلام الدوليّة والمحليّة عن زيارة وفود عراقيّة لإسرائيل، ونشر حينها إعلاميّ إسرائيليّ يُدعي آيدي كوهين بعض القوائم، لكنّ هذه الزيارات إن صحّت فهي ليست الأولى، فزعيم حزب الأمّة العراقيّ النائب السابق مثال الآلوسي يتحدّث علناً عن زياراته لإسرائيل.

بدوره، قال الكاتب العراقيّ سرمد الطائي : “إنّ السفير العراقيّ في واشنطن كان عقلانيّاً، حين سألوه عن العلاقة مع إسرائيل، فوصف بعض الفوائد التي قد تتيحها، مثل وضع يهود العراق وأهميّتهم، وأيضاً التقدّم التكنولوجيّ وسواهما”.

أضاف: “من المهمّ أن تكون لدينا ديبلوماسيّة غير انفعاليّة تقدّم وجهاً جديداً عن العراق. وفي الوقت نفسه، تتمسّك بمصالح البلاد وإرادة الجمهور العراقيّ ومشاعره”.

وذهب مع هذا الرأي كبير الباحثين في مركز الدراسات الإقليميّة في الجامعة الأميركيّة بالسليمانيّة رحمن الجبّوري، الذي قال: “هناك من يريد الإساءة بأيّ طريقة إلى الديبلوماسيّين العراقيّين العقلانيّين”.

وأشار رحمن الجبّوري إلى أنّ “السفير العراقيّ في واشنطن لم يدع إلى التطبيع، ولم يروّج له. كلّ ما في الأمر، أنّه تحدّث عن وجود عوامل يمكن أن تساعد على ذلك، في حال رغب العراق”.

وعلى المستوى الرسميّ العراقيّ، فإنّه لا يعترف بإسرائيل ولم تُطلق المواقف الرسميّة العراقيّة مُصطلح “الدولة” عليها، بل الكيان الإسرائيليّ أو الصهيونيّ أو المحتلّ، فالبنّسبة إلى الدولة العراقيّة، وإن رغبت في إيجاد علاقات إيجابيّة مع إسرائيل، إلاّ أنّ المزاج الشعبيّ الحاليّ رافض ذلك.

وقال السياسيّ العراقيّ إبراهيم الصميدعي : “إنّ ما حدث من ضجّة سياسيّة ضدّ السفير هي ضجّة لإسقاط الدولة العراقيّة، فجميعنا نعرف أنّ حدود ارتباطنا تتعلّق بالمواطنين العراقيّين (اليهود)، الذين يعيشون هناك وحرموا من جنسيّتهم العراقيّة”.

وكتب الباحث الإسرائيليّ في الشؤون العربيّة جاكي خوجي مقالاً في صحيفة “معاريف” الإسرائيليّة، جاء فيه: “إنّ تصريحات السفير العراقيّ في واشنطن يمكن أن نعتبرها بالون اختبار عراقيّاً، لكنّ العلاقات الرسميّة بينهما ما زالت بعيدة، لكنّها أرضيّة يمكن البناء عليها مستقبلاً”.

إنّ ياسين، وإن كان يرغب في أن تكون هناك علاقات صداقة بين بغداد وتلّ أبيب، إلاّ أنّه لن يستطيع الإفصاح عن ذلك، كما هي الحال مع غيره، فإسرائيل بالنّسبة إلى عدد من الأحزاب السياسيّة الحاكمة “عدوّة”.

وفي المحصّلة، كانت ردّة الفعل على ياسين من قبل سياسيّين عراقيّين فيها الكثير من الغلوّ، فهو لم يدع إلى التطبيع، ولم ينصح الدولة العراقيّة بذلك، وتحدّث بموضوعيّة وفق مؤشّرات حاليّة، وهو أنّ هناك مشتركات بين البلدين لو رغبا في إيجاد علاقة بينهما.