إيناس فاضل البدران /

يعدّ واقع المرأة وما تحظى به هي والطفل من دعم ورعاية مقياسا لرقي وتقدم أي مجتمع ، و مخطئ من يظن انها نصف المجتمع فهي المجتمع كله ، اذ هي المعمل الثقافي التربوي الذي يخرج الأجيال وهي رفيقة الدرب وشريكة الحياة وهي الاخت والزميلة والصديقة .. بدونها لا تستقيم الحياة ولا يثمر عطاء ولا يستدام نماء ، لذا فالاهتمام بواقعها ومعاناتها مع السعي لإيجاد الحلول الجذرية لمشكلاتها وآليات التنفيذ كل هذا يشكل قطعا تحولا جذريا على طريق تقدم المجتمع .  في بلادي بلاد الرافدين حيث خط اول حرف وانشأت اول مدرسة وسن اول قانون نلاحظ مع الأسف تزايدا غير مسبوق في معدلات العنف بأشكاله ضد المرأة وارتفاع في نسب ما يسمى بجرائم الشرف ولو من باب الشك والظن والريبة مع ارتفاع مخيف بنسب الطلاق.

تعنيف واعتداء

وتشير الإحصاءات والدراسات الى ان ثلث نساء العالم يتعرضن للتعنيف والاعتداءات على اختلافها ، وان للنساء في العراق والسودان وفلسطين النصيب الأوفر من تلك الانتهاكات . ومع عدم وجود قوانين تحمي المرأة العراقية من العنف المحيط بها فانها ظلت تصارع بمفردها كل اشكاله وأوله العنف الأسري ، كما أن المناخ العام عمل على تهيئتها لتقبّل دور الضحية ، ومنح الرجل المسوغات لارتكاب العنف ضدها بل ان هنالك قوانين تشجع على ذلك عن طريق ترسيخ سطوته ممثلة ببعض الأعراف البائدة ، وفوق كل ذلك تجد المرأة نفسها امام معضلات مادية ومشكلات عائلية مريرة فدورها داخل الأسرة محدود وسلبي بسبب النظرة الدونية المتوارثة ناهيك عن حرمانها من التعليم والعمل وما نتج عنه من مصادرة حقوقها وحقوق اطفالها واختلال علاقات التوازن الاسري نتيجة التشوهات الخطيرة في التركيبة الاجتماعية والتدخلات القهرية داخل العائلة وخارجها كالزواج القسري وزواج القاصرات والحرمان من التعليم والعمل والختان والاضطهاد والوأد النفسي والابتزاز المادي والاستحواذ على حقوقها في الميراث وغيرها .

عنف اسري

قبل ايام ارسلت رئاسة الجمهورية مشروع قانون مناهضة العنف الأسري الى مجلس النواب للمضي في تشريعه وهو مشروع بالمعنى ذاته ظل على طاولة المجلس ما يزيد على العشر سنوات منذ عام 2008 وحتى اليوم بانتظار اقراره ، ويهدف المشروع المطروح الى حماية الأسرة وبخاصة النساء والفتيات من كافة اشكال العنف المبني على النوع الاجتماعي والحد من انتشاره والوقاية منه ومعاقبة مرتكبيه والتعويض عن الضرر الناجم عنه وتوفير الحماية للضحايا وتقديم الرعاية اللازمة لهم وتأهيلهم وتحقيق المصالحة الأسرية . وقد الزم المشروع وزارة العمل والشؤون الاجتماعية بفتح مراكز آمنة لضحايا العنف الأسري والجدير بالذكر ان هذا الأمر كان معمولا به في صدر الإسلام . كما اجاز للمنظمات غير الحكومية ذات العلاقة فتح وإدارة المراكز الآمنة بموافقة وزارتي العمل والشؤون الاجتماعية و الداخلية ، ويشجع المشروع على الصلح والتراضي بين الضحية والمشكو منه من خلال ايقاف الإجراءات القانونية للقضايا المقامة بحق من مارس العنف .  ولاشك ان هذا المشروع يشكل بارقة أمل وشعاعا من الضوء في نهاية النفق المظلم الذي امتد عقوداً طوالاً ، غير ان ذلك لن يأخذ مداه كاملا في التطبيق دون تهيئة الدعم الفعلي للمرأة عموما والمعنّفة بشكل خاص بالتوازي مع تمكينها من خلال تزويدها بالخبرات التي تجعلها قادرة على الاعتماد على نفسها بما يضمن لها العيش بكرامة . كما يستلزم تغيير الصورة النمطية والنظرة الدونية للمرأة التي تبيح ممارسة العنف بأشكاله ضدها عبر تبنّي برامج ستراتيجية طويلة الأمد تتضافر فيها جهود الجهات ذات العلاقة بما فيها تغيير مناهج التربية والتعليم ومساهمة الإعلام بكل صيغه المقروء والمسموع والمرئي وعبر الفن والأدب سعيا لخلق أجواء ومناخات ايجابية تسرع وتفعّل عملية نهوض المرأة وتحسين فرصها في التعبير عن نفسها واثبات ذاتها وطموحاتها . كذلك لابد من استحداث تقنيات ومستلزمات مساندة مهمة مثل الخط الهاتفي الساخن المفتوح للرد على حالات العنف التي تتعرض لها المرأة مع ضرورة التدخل من قبل الجهات المعنية التي قد تكون بشكل شرطة نسائية عند الحاجة الطارئة . مع أهمية استحداث اقسام للاستشارات الأسرية للإغراض التوعوية . ان انتشال هذه الشريحة الاجتماعية المهمة من بؤر الاضطهاد والجهل والعوز والتعنيف هو بالتأكيد خطوة على طريق ازدهار المجتمع وتقدمه ، فالنهوض بالمرأة ودعمها انما هو نهوض بواقع المجتمع ككل ، اذ أن مشكلاتها واحتياجاتها هي انعكاس لمشكلاته واحتياجاته الاساسية ، وهذا يستوجب التفكير والتأكيد على مساعي مراجعة السياسات والتوجهات التنموية ذات الصلة بإشكالية الجهل والتفكك الأسري والعنف بأشكاله المختلفة .