وكالات / وطننا /

مصطفى سعدون/

وسط صعود حركة المظاهرات في مختلف المناطق الشيعيّة بالعراق، تتجنّب قوّات الحشد الشعبيّ المواجهة مع حركة الاحتجاجات، تجنّباً للتصادم وخسران قواعدها الاجتماعيّة. وفي الوقت نفسه، يعمل الحشد على تحسين علاقاته مع الولايات المتّحدة للحصول على تطمينات بعدم تعرّضه للمزيد من الضربات على مقرّاته. وفي محاولة لإنهاء التوتّر وعدم التصادم بين الحشد الشعبيّ والقوّات الأميركيّة المتواجدة في العراق، يحاول قادة الحشد إرسال تطمينات إلى الولايات المتّحدة بشأن مصالحها في العراق، وهذا ما ظهر واضحاً في الزيارة التي أجراها رئيس الهيئة فالح الفيّاض لواشنطن بداية تشرين الأوّل/أكتوبر.

وفي 20 تشرين الأوّل/أكتوبر، قال كبير الباحثين في المركز الإقليميّ بالجامعة الأميركيّة بالسليمانيّة رحمن الجبّوري خلال تصريح صحافيّ: “إنّ الفيّاض تحدّث إلى الأميركيّين عن الهيكلة الجديدة للحشد الشعبيّ، وأنّه جزء من الدولة العراقيّة ولن يكون بعيداً عنها في قراراته. وهذه رسالة لهم بأنّ بعثتهم الديبلوماسيّة ومصالحهم لن تتعرّض للخطر”.

زيارة فالح الفيّاض جاءت في وقت محرج بالنّسبة إلى الحشد الشعبيّ، إذ بدا بسبب الضربات التي تعرّض لها ضعيفاً أمام حجمه وتأثيره، خصوصاً في المعارك التي خاضها ضدّ تنظيم “داعش”، وحاول الفيّاض الحفاظ على قوّة الحشد وهيبته اللتين تحقّقتا.

وقالت مصادر حكوميّة عراقيّة في 15 تشرين الأوّل/أكتوبر: “إنّ الفيّاض زار واشنطن بصفته رئيساً لهيئة الحشد الشعبيّ، وكان يريد طمأنة الأميركيّين والحصول على تطمينات منهم في شأن الحشد”.

أضافت: “أرسل الفيّاض من قبل رئيس الحكومة عادل عبد المهدي، وأراد إنهاء أزمة تعرّض مقارّ ومخازن أسلحة الحشد الشعبيّ لقصف تتّهم فيه أميركا وإسرائيل. ووفقاً لمعلومات أطلع الفيّاض عبد المهدي عليها، فإنّ التطمينات نجحت ووصلت إلى واشنطن، واستلم هو أيضاً تطمينات مماثلة”.

تعتبر فصائل الحشد الشعبيّ كافّة القوّات الأميركيّة “محتلّة”، فهناك فصائل ما زالت تهدّد وتصعّد ضدّ وجودها في العراق، ودفعت بالأشهر الأخيرة باتّجاه تشريع قانون إخراجها من العراق، لكن كلّ ذلك لم يجعلها تستهدف تلك القوّات أو حتّى السفارة الأميركيّة في بغداد، باستثناء حالات قليلة لم تتبنّاها عرّضت محيط السفارة الأميركيّة في الأشهر الماضية لسقوط قذائف صاروخيّة من دون خسائر.

إنّ المكتسبات السياسيّة والشعبيّة والاقتصاديّة التي حصلت عليها فصائل الحشد الشعبيّ كبيرة. ولذا، لا يريد قادته خسارتها من خلال المواجهة مع أميركا أو غيرها، فهم يعرفون جيّداً أنّ التصادم مع واشنطن يمكنه أن يؤثّر على تلك المُكتسبات أو يزيلها، وكذلك، فإنّ الأميركيّين لا يريدون لمصالحهم في العراق أن تكون تحت تهديد مستمرّ.

وقال كبير الباحثين في المركز الإقليميّ بالجامعة الأميركيّة في السليمانيّة رحمن الجبّوري : “نعم، الفيّاض أراد تطمين واشنطن بشأن مصالحها في العراق، وهو أيضاً أراد تطمينات بشأن عدم استهداف الحشد. وبالتّالي، كلاهما بحث عن تطمينات من الآخر”.

في الأشهر الأخيرة، تعرّضت مقارّ ومخازن أسلحة تابعة للحشد الشعبيّ لعمليّات قصف، واتّهم حينها عادل عبد المهدي إسرائيل بالوقوف وراء ذلك، رغم أنّه قال قبلها بأيّام: “لا دليل لدى الحكومة بشأن من يقف وراء عمليّات القصف”.

وإنّ ما يؤكّد أنّ الحشد الشعبيّ لا يريد أيّ صدام مع القوّات الأميركيّة، هو وجودهما السابق في مناطق واحدة ومساحات قريبة أثناء الحرب على “داعش”. وحتّى الآن، فإنّ المصالح الأميركيّة ليست ببعيدة عن سلاح الحشد، الذي اكتفى منذ عام 2011 حتّى الآن بالتهديد.

وفي مقابلة صحفية سابقة مع الأمين العام لحركة “عصائب أهل الحقّ” قيس الخزعلي، قال: “إنّ فصيلته لم تستهدف القوّات الأميركيّة في العراق ولا مصالحها منذ عام 2011 عندما غادرت البلاد بصفتها محتلّة”.

وقال عضو مجلس الأمناء في شبكة الإعلام العراقيّ سابقاً والكاتب والصحافيّ العراقيّ عبّاس الياسري : “إنّ أحد الملفّات التي ناقشها فالح الفيّاض خلال زيارته لواشنطن، كانت تتعلق بالحشد وضمان المصالح الأميركيّة في العراق، وطمأن واشنطن بهذا الشأن، وأكّد أيضاً أنّ العراق يبحث عن علاقات متوازنة تحفظ المصالح الأميركيّة فيه”.

أضاف: “إنّ زيارة واشنطن وإرسال التطمينات لن يتسبّبا بأيّ تشنّج في علاقة الفيّاض مع نائبه أبو مهدي المُهندس، إذ أنّ حتّى الجهات المناوئة والمناهضة للسياسة الأميركيّة في العراق لا تريد التصادم معها، مثلما لا تريد أن تتعرّض لها واشنطن”.

ورأى مراقبون أنّ واشنطن تسعى إلى جعل علاقتها إيجابيّة مع الحشد الشعبيّ، وتعمل على أن تبدأ من خلال إيقاف العداء بينهما، بغية الوصول إلى مرحلة كسبه إلى جانبها. وبالتّالي، تحصل على مكسبين: الأوّل، تقويض الحشد، والثاني، تقليل نفوذ إيران في العراق.

من جهته، أشار الأستاذ المساعد في الجامعة الأميركيّة بالسليمانيّة عقيل عبّاس إلى أنّ “مأسسة الحشد الشعبيّ هي ضمان عدم دخوله في مواجهة مع الولايات المتّحدة… أمّا الوعود الكلاميّة، التي يمكن أن يطلقها فالح الفيّاض في خصوص عدم استهداف الحشد أميركا من دون المأسسة، فهي لا تؤخذ بجديّة أميركيّاً”، وقال : “إنّ الأميركيّين يريدون خطوات عمليّة في هذا الموضوع، لا وعوداً كلاميّة”.

أحد المؤشّرات التي يرسلها الحشد الشعبيّ إلى واشنطن، هو عدم اتّهامها بشكل رسميّ من قبل قادة الحشد على قصف مقارّ الحشد، ولا حتّى قصف إسرائيل، وأكّد ذلك القياديّ في الحشد زعيم منظّمة “بدر” هادي العامري، الذي قال في 29 أيلول/سبتمبر الماضي: “لا نحمّل أيّ جهة مسؤوليّة قصف مقارّ الحشد”.

حاليّاً، لا تفكّر فصائل الحشد الشعبيّ بغالبيّتها بالصدام مع القوّات الأميركيّة المتواجدة في العراق، ولا التعرّض لمصالحها، فهي وصلت إلى قناعة بأنّ واشنطن ليست صديقتها، لكنّها ليست عدوّتها أيضاً، خصوصاً أنّ هناك تبادل رسائل بين قادة في الحشد والسفارة الأميركيّة عبر سفراء في الاتّحاد الأوروبيّ ومبعوثي الأمم المتّحدة إلى العراق.