حمدي ملك /

بعد الانسحاب الأميركي من الاتفاق النووي وإعادة فرض العقوبات الاقتصادية الصارمة على إيران، بات أمامها ثلاثة خيارات في التعامل مع الوضع الجديد.

الخيار الأول: هو العودة إلى طاولة المفاوضات، كما طلبت الإدارة الأميركية.

ولكن، لا ترى القيادة الإيرانية أي جدوى من المفاوضات في الوقت الحالي، لكونها حالياً في حالة ضعف بسبب حدة العقوبات التي أوصلت اقتصاد البلاد إلى حافة الانهيار. فأي تفاوض في هذه المرحلة يعني تقديم إيران تنازلات كبيرة، من دون الحصول على شيء يذكر في المقابل.

وضمن التنازلات المتوقع أن تقدمها إيران، تحديد برنامجها الصاروخي وسحب الدعم عن الميليشيات التابعة لها في المنطقة. وهذا يعني تخلي إيران عن المرتكزات الأساسية لسياستها العسكرية، وهذا بنظر القيادة الإيرانية، سيسهل إسقاط النظام في المراحل المقبلة. ولعل هذا يفسر سبب رفض المرشد الإيراني الشديد للمفاوضات في هذه المرحلة.

الخيار الثاني: يتمثل في البقاء على الوضع الحالي، أي لا حرب ولا تفاوض. وهذه هي السياسة المعلنة للنظام الإيراني والتي جاءت على لسان المرشد الأعلى، علي خامنئي.

وبحسب بعض المراقبين تسمح هذه السياسة لإيران بشراء الوقت حتى إجراء الانتخابات الرئاسية الأميركية في عام 2020 على أمل أن يفوز مرشح الحزب الديموقراطي الذي من الممكن أن يعود ببلاده إلى الاتفاق النووي.

ولكن على أرض الواقع يبدو تطبيق هذه السياسة بمثابة تجفيف لمصادر الدخل القومي الإيراني، كما يؤدي إلى إضعاف النظام الإيراني إلى درجة كبيرة.

وتؤكد مصادر انخفاض صادرات النفط الإيراني إلى أقل من نصف مليون برميل يوميا، في حين كانت إيران تصدر قبل عام أكثر من مليونين ونصف المليون برميل من النفط الخام يوميا. ولخص وزير النفط الإيراني بيجن نامدار زنكنة الأوضاع الصعبة التي تمر بها البلاد حينما قال: أن “الوضع اليوم أصعب من وضعنا في حقبة الحرب الإيرانية – العراقية”.

وسيؤدي عدم تمكن إيران من توفير الدعم المادي إلى خسرانها بعض حلفائها في المنطقة. صحيح أن هناك ترابطاً عقائدياً بين الكثير من حلفاء إيران ونظام ولاية الفقيه، ولكن أيضا، صحيح أن عدداً غير قليل من حلفاء وليِّ الفقيه هم يسعون إلى الحصول على أموال وامتيازات من خلال علاقتهم مع إيران.

ومن الوارد جدا أن تؤثر الضائقة المالية في برامج تطوير الصواريخ في إيران. ففي هذه الحال تخسر إيران مرتكزات سياستها العسكرية.

وتتخوف قيادات إيران من تجربة مشابهة لتجربة العقوبات على العراق، وهي تعلم أن مرور أعوام عدة على عقوبات صارمة يؤدي إلى الانهيار بشكل تدريجي من الداخل، ويعطي الفرصة للولايات المتحدة أن تقلب النظام بسهولة أكبر.

وبما أن اللجوء إلى الخيارين الأولين من وجهة نظر قادة إيران سيؤدي إلى سقوط النظام، التجأت القيادة الإيرانية إلى الخيار الثالث وهو خيار التصعيد. فهناك جهات متنفذة في النظام، ترى في التصعيد مخرجا وحيدا من الأزمة الحالية وتحاول الحصول على بعض الأوراق لكي تضغط بها على الولايات المتحدة من أجل التخلص من العقوبات.

وتمتلك إيران ورقتين ممكن أن تستخدمهما في سياستها التصعيدية. الورقة الأولى هي الاتفاق النووي وبدأت تستخدم هذه الورقة فعلياً لغرض الحصول على امتيازات اقتصادية من الدول الأوروبية، إذ أعلنت خفض التزاماتها في المجال النووي لحين تلبية مطالبها الاقتصادية.

ولكن بما أن هذه الورقة ليست قوية بسبب عدم قدرة الجانب الأوروبي على تجنب العقوبات الاقتصادية الأميركية على إيران، دأبت طهران على استخدام الورقة الثانية وهي التصعيد العسكري. ويبدو أن هناك جهات إيرانية تتمتع بتأييد المرشد الأعلى تبحث عن مواجهة عسكرية محدودة يمكن من خلالها تسجيل النقاط ضد الولايات المتحدة وإجبارها على تقديم بعض التنازلات لمصلحة إيران.

فهي ترى أن المواجهات العسكرية آتية لا محاله، وتحاول أن تعجّلها طالما لم تصل إيران إلى حالة الانهيار وقواها العسكرية في أقوى حالاتها منذ عقود.

ومن المتوقع أن يستمر تصعيد إيران العسكري في الفترة المقبلة، لكي تجرّ الولايات المتحدة إلى نوع من المواجهة العسكرية، وهذا السيناريو ليس مستبعداً، خصوصاً إذا استطاعت إيران عرقلة حركة الملاحة وإمدادات الطاقة بشكل كبير.