العراق / بغداد / وطننا /

مصطفى سعدون /

تظاهر الآلاف من أتباع زعيم تيّار الحكمة الوطنيّ المعارض عمّار الحكيم في 14 محافظة عراقيّة في 19 تمّوز/يوليو الحاليّ، وهذه هي المرّة الأولى التي يتظاهر فيها أتباع الحكيم ضدّ الحكومة، كما أنّها التظاهرات الأولى التي تكون في 14 محافظة عراقيّة منذ عام 2003.

الحكيم وتيّاره الذي لجأ إلى خيار المعارضة قبل أسابيع، حشدا كثيراً لهذه التظاهرات ودعيا في أكثر من مناسبة إلى أن تكون مليونيّة، لكنّ ذلك لم يحصل، واقتصرت التظاهرة على أعداد أقلّ بكثير ممّا كان يتوقّع الحكيم ومكتبه السياسيّ.

في يوم التظاهرة، كشفت وسائل إعلام عراقيّة عن مضمون رسالة أرسلها رئيس الحكومة العراقيّة عادل عبد المهدي إلى الحكيم، وكانت الرسالة موقّعة في تاريخ الـ17 من تمّوز/يوليو الحاليّ، أي قبل يومين من موعد التظاهرات.

وحذّر عبد المهدي في رسالته إلى الحكيم من استخدام مبدأ المعارضة والموالاة، واعتبر عبد المهدي هذا المبدأ بعيداً عن الديمقراطيّات، وقال في رسالته إنّ “هذا المبدأ يشبه في نتائجه تجربتي 8 و14 آذار في لبنان”، في إشارة إلى الصراع بين القوى السياسيّة الموالية لحسن نصر الله وسعد الحريري في لبنان.

حاول عبد المهدي من خلال رسالته تقليل شأن خيار المعارضة الذي اتّخذه الحكيم وريث بيت الحكيم الذي كان في عمر صغير أثناء وجود عبد المهدي كأحد قيادات المجلس الأعلى الإسلاميّ آنذاك، وعمل على تفكيك هذا الخيار باعتباره يفتقد إلى شروط المعارضة الأساسيّة.

المسألة الكبيرة لا تتعلّق بالرسالة بقدر ما تتعلّق بعمليّة نشرها في وسائل الإعلام، على الرغم من أنّها سلّمت إلى زعيم تيّار الحكمة الوطنيّ من قبل عبد المهدي شخصيّاً خلال زيارة غير معلنة قام بها ليلة التظاهرات، وفقاً لمصادر من مكتب الحكيم.

قالت المصادر : إنّ “الرسالة سرّبت من مكتب رئيس الحكومة عبد المهدي لإحراج تيّار الحكمة الوطنيّ، على إعتبار أنّ عبد المهدي لمّح في الرسالة وأثناء اللقاء بأهمّيّة تأجيل التظاهرات”.

قال النائب في البرلمان العراقيّ عن تيّار الحكمة الوطنيّ خالد الجشعمي : إنّ “التظاهرات حقّقت أهدافها بتحريك الشارع للتعبير عن رأيه والمطالبة بحقوقه، كما أنّ تيّار الحكمة الوطنيّ صار صوت الشعب في الدفاع عن حقوقه بالتظاهرات أو داخل البرلمان”.

وعن رسالة عبد المهدي إلى الحكيم، أضاف الجشعمي: “يبدو أنّ عبد المهدي غير راضٍ عن معارضتنا أو منزعج منها، على الرغم من أنّه كان ينظر في أوقات سابقة بمقالاته التي يكتبها لخيار المعارضة، كما أنّ رسالته كانت تشير إلى تشكيك في المعارضة ومحاولته القول إنّنا كنّا جزءاً من حكومات سابقة، وهذا ما لم ننكره”.

يدور حديث داخل الصالونات السياسيّة لتيّار الحكمة الوطنيّ بأنّ رسالة عبد المهدي بيّنت ضعفه وخوفه من تحرّك وتحريك الشارع ضدّ الحكومة، إضافة إلى هذا، لم يكن هناك ارتياح من الحكيم ودائرته تجاه رسالة عبد المهدي، على الرغم من حديثهما عن أنّها نقطة سلبيّة تجاه رئيس الحكومة.

انتقدت أطراف سياسيّة أخرى مقرّبة من إيران التظاهرات قبل إقامتها وبعدها، ووصف النائب عن كتلة صادقون التابعة إلى حركة عصائب أهل الحقّ حسن سالم تظاهرات تيّار الحكمة الوطنيّ بـ”الفاشلة”، وقال: “كانت متواضعة ولا ترقى إلى الھالة الإعلامیّة التي سبقت إنطلاقها، كما أنّ عدم الاستجابة للمشاركة يعود إلى إدراك الجمھور نواياھا السیاسیّة الخفیّة”.

أخرج تيّار الحكمة الوطنيّ، المعروف بأنّه أحد الأحزاب الشيعيّة في العراق ومن شبه المستحيل أن تكون لديه قاعدة جماهيريّة في المناطق السنّيّة، تظاهراته أيضاً في نينوى وصلاح الدين والأنبار، وتعتبر هذه الخطوة الأولى من نوعها، لكن لم يتمّ التأكّد حتّى الآن ما إذا كانت هذه الجماهير موالية للتيّار وأهدافه ومؤمنة بها، أم لا.

يشكّك دائماً بالتجمّعات التي يقيمها تيّار الحكمة الوطنيّ أو المجلس الأعلى سابقاً وفي كيفيّة تجميع الجماهير، ووجّهت اتّهامات سابقة له بأنّه يدفع مبالغ ماليّة لإحضار الناس، وفي هذه التظاهرات أيضاً، قال عضو مجلس محافظة الأنبار طه عبد الغني في 20 تمّوز/يوليو إنّ “مكتب تيّار الحكمة الوطنيّ في الأنبار دعا أثناء افتتاح مكتبه مجموعة من الشباب لتعيينهم وتوزيع المبالغ الماليّة والمساعدات للشباب وتفاجأ الجميع من أنّ عمليّة الافتتاح تحوّلت إلى تظاهره تمّ منعها من قبل الجهات الأمنيّة”.

ويبدو أنّ تيّار الحكمة الوطنيّ لن يقف عند هذه التظاهرة فحسب، بل يعمل على تنظيم تظاهرات أخرى “تعتمد أسلوباً جديداً لم تكشف عن طبيعته حتّى الآن”، بحسب رئيس تيّار الحكمة الوطنيّ في مجلس محافظة البصرة أمين وهب.

قال الباحث العراقيّ في المركز الوطنيّ الفرنسيّ للأبحاث هشام داوود : إنّ “تيّار الحكمة الوطنيّ يحاول أن يظهر اليوم بزيّ المعارضة السياسيّة الشرعيّة، مقابل رأي عامّ يقدّم شكوكه على تفهّمه لهذا الفصيل المعارض حديثاً، على الرغم من أنّ لتيّار الحكمة الوطنيّ خطاباً شبابيّاً منفتحاً وحداثيّاً، لكنّه من دون قاعدة تعبويّة واسعة وهو صاحب خبرة أقلّ”.

وأضاف أنّ “النقطة الأهمّ في رسالة رئيس الوزراء وصفه لحكومته بأنّها حصيلة تسوية داخليّة وإقليميّة ودوليّة، وبأنّها بالتالي هشّة وخطرة ومهدّدة، كما لا يوجد هناك شخص يعرف برجالات تيّار الحكمة الوطنيّ والمجلس الأعلى بقدر معرفة عبد المهدي لها، وبالتالي أن تأتي رسالته بهذه الطريقة التعليميّة لوريث بيت الحكيم ما هي إلّا اعلان القطيعة النهائيّة مع هذا البيت الدينيّ السياسيّ (الحكيم)”.

وفقاً لداوود، فإنّ “توجيه العديد من النقد إلى الرسالة التي وجّهها عبد المهدي إلى الحيكم يعود إلى خلوّها من أيّ مقترحات، ولا حتّى مؤشّرات للخروج من الأزمة الحاليّة”.

إنّ تيّار الحكمة الوطنيّ بدأ يشكّل عائقاً أمام مسيرة حكومة عبد المهدي المتلكّئة والمهدّدة بتغييرات في بعض مفاصلها، ولا يقف الأمر عند حدّ وجه التشكيلة الحكوميّة بل يتعدّاه إلى الشارع، فتخوّف رئيس الحكومة من تحريك الشارع ضدّه من قبل أيّ طرف، يعدّ بمثابة زعزعة علنيّة لحكومته.