عدنان حسين

أتخيّل أنّ لي قريباً أو صديقاً مُحتجزاً في مخفر للشرطة في بغداد أو أيّ من المدن الأخرى عن مخالفة دهس غير مميتة أو عن جنحة عراك في مقهى أو مطعم تسبّب للطرف الآخر بجروح ، فأذهب إلى المخفر لأطلب إطلاق سراحه .. ما الذي سيحدث لي؟
بالتأكيد سيطردني الشرطي الواقف على الباب الخارجية للمخفر حال معرفته بطلبي، وإذا لا يفعلها الشرطي فسيفعلها ضابط المخفر، وإذا حدث ورابطتُّ في الخفر حتى يتحقّق مطلبي، فبالتأكيد سيقرّر الضابط وضعي خلف القضبان مع قريبي أو صديقي حتى صباح اليوم التالي ليُحيلني إلى القضاء بتهمة السعي لانتهاك أحكام القانون.
لكنّ الأمور لا تجري دائماً بمثل هذا السياق المنطقي. إليكم هذا الأنموذج الطازج.
حتى الرابع من أيلول الجاري كان مخفر شرطة المثنى في زيونة (بغداد) يتحفّظ على المدير العام السابق للتجهيزات الزراعية، عصام جعفر عليوي، بانتظار نقله إلى السجن ليقضي عقوبة بالحبس الشديد لمدة سنتين. الحكم بالسجن على هذا الشخص أصدرته محكمة الجنح المُختصَّة بقضايا النزاهة والجريمة الاقتصاديَّة وغسل الأموال (سرقة المال العام والتلاعب به) التي وجدت أنّ المدير العام السابق قد أحدث أضراراً بالمال العام بقيمة 30 ملياراً 71 مليوناً و606 دنانير (25 مليون دولار أميركي)، وهو مطلوب أيضاً عن قضايا أخرى لدى النزاهة.
في ذلك اليوم (الرابع من أيلول) دخل إلى مخفر شرطة المثنى في زيونة النائب الصدري السابق جواد الشهيلي واستخدم نفوذه، بوصفه نائباً سابقاً ومن قيادات التيار الصدري، ليُطلق سراح المدير العام المدان بسرقة المال العام، وليسهّل هروبه إلى منطقة الحدود العراقية الإيرانية تمهيداً للفرار إلى خارج البلاد والإفلات من العقاب. الجيد أن عناصر هيئة النزاهة ووزارة الداخلية كانوا أبرع من حرامي المال العام وأكثر وطنية من النائب الصدري السابق، فتصدّوا لمحاولة الفرار وأجهضوها وأعادوا اعتقال المجرم المدان. وتلا ذلك اعتقال النائب السابق منتهك أحكام القانون وإحالته إلى القضاء للنظر في قضية انتهاكه الصارخ لأحكام القانون.
ما الذي حدث لاحقاً؟ .. إليكم ما جاء في بيان للناطق باسم السلطة القضائية صادر أول من أمس الخميس:
“نظرت محكمة جنح الرصافة في قضية المتهم جواد الشهيلي، وبعد ثبوت الأدلة أصدرت حكماً بالحبس لمدة سنة واحدة مع إيقاف التنفيذ بحق المتهم (….). القرار جاء بعد إدانته بالاشتراك في تهريب مدير عام التجهيزات
الزراعية”.
لابدّ من أنّ القاضي الذي أصدر الحكم بإيقاف التنفيذ قد استند إلى مادة في القانون تعطيه هذه السلطة، ولذلك لا اعتراض على الحكم من حيث سياقاته.، لكنني أسأل: لو أنني أو أي عراقي آخر لم يكن عضواً في البرلمان وليس قيادياً في تيار سياسي متنفذ في السلطة، قد فعلتُ ما فعله النائب الصدري السابق، هل كنتُ سأحظى بمثل هذا الكرم القضائي؟!