وليد شقير /

كان من الطبيعي أن تتعاطى واشنطن مع التهديدات الإيرانية بإغلاق مضيق هرمز في وجه الملاحة الدولية على أنها اعتيادية، وأنه سبق لطهران أن أطلقت مثلها عشرات المرات في العقدين الأخيرين. وهي أجرت مناورات في المياه الدولية مرات عدة، تارة في رسالة استعراض قوة في وجه دول الخليج النفطية موحية بأنها قادرة على منع تصدير نفطها عبر المضيق، وأخرى في رسالة تحدٍ للأميركيين، لا سيما إبان ولاية الرئيس باراك أوباما الذي كان يشيح نظره عن رسائل من هذا النوع، لأن تركيزه كان على إنجاح التفاوض على الملف النووي مع طهران. وهو الأمر الذي أتقن الحرس الثوري الإيراني الإفادة منه في إطار الحرب النفسية مع الجيران العرب، وأمام جمهور الأحزاب التي تدين بالولاء له، عن أن بلاد الفرس باتت “قوة عظمى” تتحدى الدولة الأقوى في العالم، التي لا تجرؤ على مواجهتها.

سبق لأمن ممر مضيق هرمز أن تعرض للاهتزاز في ثمانينات القرن الماضي إبان الحرب العراقية الإيرانية، في ما عرف حينها بـ”حرب الناقلات”. وسبق لطهران أن تحدت ناقلات نفط أو سفنا تجارية تابعة لدول لا تملك القوة العسكرية ولا تنوي دخول ميدان التحديات العسكرية في المنطقة وهي تعبر المضيق (اليابان مثلا)، في إطار استعراض القوة.

لم تنفذ إيران تهديدها بإغلاق المضيق في أي مرة، لإدراكها أنه إعلان حرب مع واشنطن، لا قدرة لها على احتمال نتائجها، حتى لو نجحت باستفزاز موضعي لسفينة أو ناقلة نفط خليجي. فمضيق هرمز معبر لخمس الإنتاج النفطي العالمي ولثلث الإنتاج من النفط والغاز معا، ولمعظم

الإمدادات التجارية النفطية وصادرات الخام من السعودية وإيران والإمارات العربية المتحدة والكويت والعراق، وقطر. ومقابل تلويح “الحرس الثوري” الإيراني قبل يومين بإقفاله إذا مُنعت إيران من تصدير نفطها تبعا للعقوبات الجديدة، عاجل وزير الخارجية محمد جواد ظريف المجتمع الدولي بالقول إن ” الإبقاء عليه مفتوحا من مصلحة الأمن القومي الإيراني”، بعد تحذير واشنطن، ردا على التهديد.

استعاضت طهران في السنوات الأخيرة عن العراضات في هرمز بالتهديدات بإقفال باب المندب بعد سيطرتها على جزء من الأراضي اليمنية المطلة على بحر العرب.

هناك عوامل عدة باتت تتحكم بأمن مضيق هرمز فضلا عن إعلان واشنطن ضمانه، منها أن دول الخليج النفطية باتت تستخدم بموازاة تصدير إنتاجها عبر المضيق، أنابيب عدة لتصريف إنتاجها، فضلا عن خطط لإنشاء أنابيب جديدة. يضاف إلى ذلك الإعلان عن توقيع الأميركيين اتفاقية استراتيجية للموانئ مع سلطنة عمان قبل أيام، ستمنح الجيش الأميركي تسهيلات أكبر في منطقة الخليج وتحد من الحاجة لإرسال السفن عبر مضيق هرمز قبالة ساحل إيران.

لكن هذا لا يلغي الحاجة إلى المضيق من أجل التصدير نحو آسيا وأميركا الشمالية. ولعل تهديدات إيران في إطار الحرب الكلامية التي تحتاجها، تعود إلى إدراكها المسبق أن الولايات المتحدة قد لا تنفذ بدورها ما تعلنه عن تصفير الإنتاج النفطي الإيراني. فبعض الخبراء يعتبرون أن ما من عقوبات تُفرض دوليا تُطبق في شكل كامل، بل غالبا ما يُترك منفذ لخرقها بمعرفة واشنطن.

وهذا بحسب الخبراء أنفسهم سينطبق على إيران “بإشاحة النظر” عن تصديرها زهاء 800 ألف برميل (من أصل 4.7 مليون برميل كانت تنتجها عام 2017 ) من أجل أن يتاح لها الحصول على المواد الغذائية والطبية المطلوبة، على قلة مردود هذه الكمية قياسا إلى عدد السكان. ولربما أن هذا ما سمح للمرشد الإيراني علي خامنئي أن يقول أن وقف الاستثناءات لثمان دول كي تستورد النفط الإيراني بدءا من 2 أيار (مايو) “بلا نتائج وصادراتنا ستستمر”. فهل أن خرق العقوبات بمعرفة أميركية سيكون من طريق الصين التي تعارض العقوبات الأميركية، أم من طريق روسيا التي حصلت من دمشق على حق إدارة مرفأ طرطوس (لتعطيل نية الاتفاق النظام السوري مع طهران على إدارتها مرفأ اللاذقية) بحيث تواصل شراء النفط الإيراني بسعر منخفض ثم تنقله إلى طرطوس لحل أزمة الوقود في بلاد الشام؟

يحتاج الأمر إلى بضعة أشهر لمعرفة مدى فعالية تصعيد العقوبات الأميركية على إيران (وعلى “حزب الله”) لجهة تعديل موقفها السياسي، بالانسحاب من أزمات المنطقة وحروبها، عبر التفاوض مع واشنطن. فالقيادة الإيرانية ترى أنه يمكنها الصمود حتى الانتخابات الأميركية عام 2020 .

التشدد من قبل المرشد و”الحرس الثوري” حيال الحزمة الجديدة من العقوبات يعود إلى أنها تشمل هذه المرة “الحرس الثروي” الذي يتحكم بزهاء نصف الاقتصاد الإيراني. وهذا سبب كاف للتوتر في طهران. لكن اللافت كان أن الرئيس حسن روحاني دمج التشدد بإشارات ليونة حين قال: “مستعدون للتفاوض مع أميركا فقط عندما ترفع الضغط وتعتذر”. وسار ظريف على خطاه حين قال: “إذا رغبت الولايات المتحدة بدخول مضيق هرمز عليها التفاوض مع الحرس الثوري”.

فهل يعني ذلك أن خيار التفاوض مطروح لكنه مؤجل؟