مشرق عباس /

الجدل العراقي حول «المصالحة» وابعادها، واطرافها، لم يتوقف، لكنه يتخذ اليوم مسارات جديدة، فالقوى السياسية والمسلحة التي وقفت لسنوات معارضة للمصالحة السياسية، واتهمت مروجيها بانهم اما ارهابيون او بعثيون، تقود بنفسها جهود اعادة مجموعة من اهم السياسيين السنة الملاحقين بتهم ارهاب، وزعماء عشائر او رجال دين تعاونوا مكرهين او مختارين مع تنظيم «داعش» خلال وجوده في مناطقهم، الى الواجهة السياسية وفتح صفحة جديدة معهم.

وبالطبع فان طروحات شهدتها السنوات الماضية قدمها مقتدى الصدر وعمار الحكيم وحيدر العبادي لاطلاق مثل هذه المصالحات، جوبهت بهجوم شديد من الاطراف الأكثر قرباً من ايران، حتى ان مبادرة اطلقها الحكيم عام 2014 باسم «انبارنا الصامدة» وصفت بانها قد صممت لاطفاء نار الفتنة التي اشتعلت وقادت فيما بعد الى ظهور «داعش» وسيطرته على ثلث العراق، اعتبرتها الاطراف المعارضة، دعوة لـ»مصالحة الارهاب» وتم الحديث بشيء من الاستخفاف عن مبادرة الصدر لما بعد «تحرير الموصل»، وبالتأكيد فأن طروحات القوى المدنية التي ما انفكت تطالب بمشروع «عدالة انتقالية» يعالج كل الوضع المضطرب في العراق بعد 2003 جوبهت باتهامها بالانتماء الى مشروع «صهيواميركي».

الفارق الوحيد ان بعض طروحات الامس كانت تضع الشرط الوطني كمعيار لتحقيق العدالة الانتقالية وان طريق المصالحة ينطلق من بغداد ويصل اليها، فيما ترى الاوساط التي تقود مشاريع المصالحة اليوم سواء اعترفت بذلك ام لم تعترف، ان باب المصالحة يجب ان يمر عبر طهران ايضاً، ولذلك فان التسوية في جوهرها لا تتعلق بالمشاكل والازمات وبحور الدم التي حفل بها العراق، بل بتسوية بين الشخصيات السنية وبعض دول المنطقة وايران، وهذا ما حدث ويحدث فعلاً.

ربما تلك النقطة الاخيرة، دفعت القوى التي حملت سابقاً شعارات المصالحة السياسية، وجوبهت بمشاريع ما يسمى «المصالحة المجتمعية» التي لم تكن سوى اطار للتسويف، الى معارضة جهود منافسيهم الحالية، والاعتراض سراً او علناً، وبمواقف سياسية او عبر القنوات الاعلامية، واستخدام الطعن، والتشكيك، والاتهامات بالطريقة السابقة.

والطعون الحديثة مطعون بها ايضاً، فسواء تحققت المصالحة السياسية من خلال القوى الاقرب الى ايران او سواها، فالمهم انها تحققت، وان تقتنع اطراف سياسية رفضت اي حديث عن المصالحة، بان خياراتها السابقة كانت خاطئة، وان مرحلة ما بعد «داعش» تتطلب حواراً حقيقياً ومباشراً مع الخصوم السياسيين وربما «المذهبيين» فان ذلك يعد خبراً جيداً وصالحاً للبناء عليه، ويجب تشجيعه.

المشكلة الوحيدة في الخطوات السياسية المتأخرة نحو المصالحة، انها تنتمي الى قراءات غير دقيقة لواقع المرحلة العراقية، فلم شمل الوسط السياسي العراقي السني والشيعي والكردي في تشكيلاته وشخصياته المعروفة، لم يعد علاجاً مؤثراً لازمة العراق، التي انتقلت خلال انشغال القوى والاحزاب السياسية بحروبها ومؤامراتها واتهاماتها لبعضها، وسفك الدماء البريئة بسببها، الى ازمة كبرى بين الوسط السياسي العراقي وكل ما يمثل السياسة في العراق، وبين الشعب وطليعته المدنية، التي دفعت وحدها الثمن باهضاً لسوء التقدير السياسي وحرب الاستنزاف الداخلي، والقيمومة الاقليمية المخجلة.

لن يكون بالامكان بناء سلام حقيقي على اساس المصالحات السياسية المقترحة اليوم، لأن معادلات ما بعد الخراب الاقتصادي والاجتماعي والنفسي التي خلفتها ازمة «داعش» تجرد خطوات المصالحة البروتوكولية الحالية من فاعليتها، وتجعلها متأخرة عن وعي جديد للاجيال العراقية الشابة مختلف عن وعي سابقاتها، ومتعثرة امام حالة الغضب والاحباط لاجيال انطلت عليها استراتيجيات الشعارات الحزبية والطائفية والقومية، ووجدت نفسها ضحية وحيدة في حفلات الذئاب.

في عام 2003، طرحت القوى المدنية والثقافية الشعبية منهج «المصارحة والمصالحة» بين القوى والفعاليات السياسية من اجل السماح ببناء «مشروع عدالة انتقالية» يختصر الزمن امام النهوض العراقي المنتظر، وطرح مثل هذا المشروع ايضاً بعد الحرب الاهلية 2006 – 2008 ليشكل تسوية بين الاطراف التي شارك في تلك الحرب، لكنه في عام 2019 مختلف تماماً ويجب ان يتحدد طرفان فيه فقط، الاول هو كل الوسط السياسي متصالحاً او متخاصماً، والثاني هو الشعب العراقي بمكوناته المتعددة، على يعتمد منهج «الاعتراف والمحاسبة» ومن ثم «التصحيح القانوني والدستوري» وأخيراً «المصالحة».