العراق / بغداد / وطننا /

عدنان أبو زيد /

قرّرت شركة النفط الوطنيّة الإيرانيّة، في 4 أيّار/مايو، افتتاح مكتب في العراق خلال اجتماع بين مديري وزارة النفط العراقيّة ومنتجي معدّات صناعة النفط الإيرانيّة، على هامش المعرض الـ24 للنفط في طهران، وتزامناً مع تشديد واشنطن على صادرات إيران النفطية، فيما أعلن المدير في الشركة رامين دزفولي أنّ الشركات التي تحظى بتأييد من شركة النفط الإيرانيّة تستطيع المشاركة في مشاريع وزارة النفط بالعراق.

منذ بدء تطبيق المرحلة الجديدة من العقوبات الأميركيّة على إيران في تشرين الثاني/نوفمبر من عام 2018، بدأت طهران تركّز على تعزيز التعاون الاقتصاديّ مع العراق للتخفيف من ضغط الحصار الأميركيّ على اقتصادها، إلاّ أنّ عضو لجنة الاقتصاد النيابيّة ندى شاكر أشارت إلى “أنّ توسيع العلاقات يهمّ العراق أيضاً”، وقالت: “من الطبيعيّ افتتاح ممثليّات إيرانيّة اقتصاديّة في العراق بسبب العلاقة المتينة بين البلدين في مجالات التعاون النفطيّ البعيد عن العقوبات مثل مشاريع التنقيب وإنشاء مصانع التكرير من قبل شركات إيرانيّة”.

ورأت ندى شاكر أنّ “هذه المكاتب تتوافق مع مساعي العراق للتوصّل إلى حلّ يفضي إلى إعفائه من العقوبات في مجال الطاقة والنفط”.

تنسجم رؤية شاكر مع إعلان المكتب الإعلاميّ لرئيس الوزراء عادل عبد المهدي في 8 أيّار/مايو تمديد استثناء العراق من العقوبات الأميركيّة الخاصّة بالتعاملات النفطيّة على إيران.

وقال عضو لجنة النفط والطاقة في مجلس النوّاب علي العبودي : “إنّ تعزيز العلاقة الاقتصاديّة، لا سيّما في مجال النفط والطاقة لا بدّ منه لسدّ حاجة العراق من الغاز الإيرانيّ الذي يغذّي نحو 3600 ميغاواط في المحطّات الكهربائيّة. وإنّ افتتاح مكتب لا بدّ منه، ونحرص عليه مثلما واشنطن تحرص على مصالحها”. إنّ التقارير تفيد بأنّ طهران تسعى إلى مصلحتها في تعزيز نفوذها الاقتصاديّ والسياسيّ والعسكريّ في العراق للتخفيف عن العقوبات والتهديدات المفروضة عليها من قبل الولايات المتّحدة، إذ بحث قائد القوّة البحريّة في الحرس الثوريّ الإيرانيّ الأدميرال علي تنكسيري، في 1 أيّار/مايو، مع نظيره العراقيّ اللواء الركن أحمد جاسم معارج، في تنفيذ مناورات بحريّة مشتركة. وفي 2 أيّار/مايو من عام 2019، أعلن قائد مقرّ خاتم الأنبياء للإعمار سعيد محمّد عن وجود دراسة لمشروع تأسيس مصرف مشترك بين إيران والعراق وسوريا وإقامة العلاقات الماليّة في المصارف المركزيّة لهذه الدول الثلاث.

وقال النائب محمّد كريم عن تحالف “الفتح”، الذي يصنّف بأنّه يدعم إيران : “إنّ فتح مكتب لشركة النفط الإيرانيّة أو مكاتب أخرى مستقبليّة أمر متوقّع وضروريّ لأنّ العلاقات النفطيّة بين طهران وبغداد لن تتوقّف، ولن تتأثّر بالعقوبات على طهران”.

وأشار إلى أنّ “التوجّه الحكوميّ هو في التفاهم مع الولايات المتّحدة على استمرار هذه العلاقة، وإنّ وجود شركة النفط الإيرانيّة في العراق هو جزء من هذا التوجّه”.

ومقابل تأكيد محمّد كريم استمرار العلاقة النفطيّة مع إيران، فإنّ شخصيّات وجهات سياسيّة عراقيّة حذّرت، في 23 نيسان/إبريل، رئيس الوزراء عادل عبد المهدي من عدم التزامه بالعقوبات الأميركيّة ضدّ إيران، فيما طالب عراقيّون بتقديم مصالح بلدهم على مصالح أيّ دولة أخرى.

وأوضح الخبير في وزارة النفط العراقيّة المهندس حمزة الجواهري، الدور الذي سيلعبه مكتب شركة النفط الإيرانيّة في العراق، قائلاً : “في العراق تتوافر العشرات من مكاتب الشركات الأجنبيّة التي يعمل فيها الكثير من الاستشاريّين العراقيّين، والذين ينظّمون علاقة الدولة بالشركات”.

وأشار إلى أنّ “وجود مكتب لشركة ما في العراق يعني أنّ لديها أعمالاً واسعة، وإنّ افتتاح المكتب الإيرانيّ يعني أنّ هناك نيّة لتوسيع الأعمال في العراق، التي هي واسعة في الأصل”.

وبسبب العقوبات على إيران، توقّع حمزة الجواهري أن “يكون دور المكتب محصوراً في مجال الخدمات الهندسيّة والفنيّة مثل مدّ الأنابيب، والمعدّات الهندسيّة التي يفضّلها العراق لأنّها رخيصة جدّاً، وليس تجارة النفط، ويساهم في تنسيق أعمال رجال الصناعة الإيرانيّين”.

وأكّد الجواهري أهميّة المكتب في “تنظيم عمليّات التنقيب بـ12 حقلاً مشتركاً بين البلدين وفي مجال استكشاف النفط، وهي نشاطات لا تحظرها العقوبات على إيران”.

إلى جانب البعد التقنيّ، رأى الجواهري، في المكتب “رسالة سياسيّة مزعجة إلى الولايات المتّحدة من قبل إيران في أنها ستبقى نشطة في العراق وستطوّر علاقاتها معه، وهو أمر لا تحبّذه واشنطن”، هذا خصوصاً إن أخذنا في الاعتبار أنّ البرلمان العراقيّ عكف في 8 أيّار/مايو على دراسة تشريع خاص يسمح بإمداد سوريا الحليفة لإيران بالمحروقات، الأمر الذي يضفي على المكتب بعداً سياسيّاً استثنائيّاً.

لا شكّ في أنّ المكتب يقلق واشنطن، إذا ما أخذ في الاعتبار ما عبّر عنه تقرير نشرته صحيفة “نيويورك تايمز” في 8 أيّار/مايو عن أنّ “المليشيات العراقيّة المتّهمة بتهديد الولايات المتّحدة، والمرتبطة بإيران وبإمكانها فرض وزراء، مسيطرة على قطاع عقود الأعمال”، وهو أمر دفع ببعض التقارير إلى القول: إنّ وزارة النفط العراقيّة بدأت بتحرّكات تتقاطع مع المصالح الإيرانيّة، أبرزها مضاعفة حفر الآبار في حقل مجنون العملاق الذي تتداخل احتياطاته مع حقول إيرانيّة، وإبعاد الحشد الشعبيّ عن أكبر حقول الغاز، تمهيداً لتشغيله.

لكنّ الأمور ليست كذلك، من وجهة نظر المتحدّث باسم وزارة النفط عاصم جهاد، الذي قال : “إنّ الوزارة ترتبط بمذكّرات تفاهم واتفاقات مشتركة مع إيران، وشركاتها حالها حال الشركات العالميّة المتعاقدة مع وزارة النفط لديها مكاتب في بغداد وبعض المحافظات”.

لا شكّ في أنّ المكتب يتجاوز المهام الفنيّة في التنسيق وإدارة أعمال الشركات الإيرانيّة في العراق، إلى كونه تعبيراً عن إصرار إيرانيّ على تعزيز النفوذ السياسيّ في العراق عبر الجانبين النفطيّ والاقتصاديّ.