خالد القشطيني

في هذه الأيام النحسة التي كثر فيها التشاحن والنزاع الطائفي والإثني في العراق، حري بنا أن نتذكر روح السماحة التقليدية التي بز بها العراقيون معظم شعوب المنطقة. تجسمت هذه الروح بصورة خاصة في محلة صبابيغ الآل في الجانب الشرقي من العاصمة العراقية. هناك سكن الصابئي بجانب الشيعي، والشيعي بجانب السني، والسني بجانب النصراني، والنصراني بجانب اليهودي… وهكذا من كل الملل والقوميات. انحدر منها صديقي الراحل موسى علاوي. كان من عائلة شيعية أصيلة. لاحظت فيه ميلاً خاصاً نحو معاشرة المسيحيين فسألته عن السر. قال: أنا مدين لهم بحياتي. عجباً عجباً. انطلق فروى لي حكاية ذلك.
قال كان والده السيد علاوي يسكن مجاوراً لعائلة مسيحية. وكما نتوقع، نشأت علاقة بين العائلتين، علاقة تضمنت تبادل الطبخات والأكلات الفريدة. خطر لهما أن ذلك ربما يثير القيل والقال في الزقاق، كما أن نقل الصحون عبر الطريق فيه بعض المشقة. فقرروا تفادياً لكل لذلك عمل ثقب أو كوة في الجدار المشترك يمرّرون منه الأطباق والأكلات المشوقة. تنادي أم موسى على جارتها عبر الكوة: «عيني أم جوزفين، هذا ماعون سبزي (المرق الذي برعت به النساء الشيعيات) أبو جوزفين يحبه» وتناولها الطبق. تفعل مثل ذلك الزوجة المسيحية عندما تعمل كبة برغل، التي برع بها المسيحيون في العراق. وهكذا تجاورت العائلتان.
عانت أم موسى من فقدان أطفالها، واحداً تلو الآخر. وعندما رزقها الله بوليدها موسى، عقدت العزم على الحفاظ عليه بأي ثمن. كان ذلك في العشرينات، عندما اجتاح وباء الجدري العراق وقرر الإنجليز تطعيم كل الأطفال ضد المرض. غير أن أم موسى توجست خوفاً من ذلك. وعقدت العزم على منع السلطات من تطعيم رضيعها موسى. غير أن المسؤولين سمعوا بوجوده وأوعزوا للمستشفى بإرسال ممرضة مع نفر من العساكر الإنجليز لاقتحام البيت وتطعيم الطفل قسراً وجبراً.
كانت جوزفين، ابنة الجيران، تعمل في المستشفى ممرضة. وسمعت بقرار السلطات. أسرعت لأم موسى وأخبرتها بعزم السلطات على تطعيم الطفل قسراً. عقدت العائلتان مؤتمراً في الموضوع وقررتا في الأخير تهريب الطفل موسى عبر الكوة التي في الجدار عند الصباح إلى بيت أم جوزفين لتقوم بإطعامه وتنظيفه والعناية به طوال النهار ثم تعيده إلى أمه عند المساء ليقضي الليلة مع والديه. وهكذا جرى الأمر. كلما جاء العساكر الإنجليز مع الممرضة يفتشون عن الطفل، لم يجدوا أي طفل في البيت.
استمر الأمر على هذا الحال والمنوال حتى زال الوباء من البلاد. وتوقفت السلطات من ملاحقة الأطفال وتطعيمهم. قال صديقي موسى إنه راح يشعر طوال حياته بأنه مدين للمسيحيين بحياته. قلت له: عزيزي أبو زهير، الناس مدينون بحياتهم للتطعيم ضد هذا الوباء وأنت تقول إنك مدين بحياتك للامتناع عن التطعيم؟ أنت رجل عكوسي! فالمثل يقول كل في بيت اليهودي ونم في بيت المسيحي، ولكنك كنت تأكل في بيت المسيحي وتنام في بيت المسلم. استغرق صديقي موسى بالضحك.