توقع مراقبون للوضع في منطقة الشرق الأوسط، اندلاع حرب بسبب استفتاء إقليم كردستان الذي أجري في 25 أيلول الماضي، لكن المفارقة كانت أن الخلاف بين كتالونيا وإسبانيا الديمقراطية العريقة بات أكثر توترا من الأزمة بين بغداد واربيل.

وذكرت صحيفة “نيويورك تايمز” الأميركية في تقرير لها، نشر أمس الثلاثاء ، أنه وبعد تصويت كرد العراق لصالح الاستقلال نزلوا إلى الشوارع، ولوحوا بالأعلام وسخروا عاليا من تهديدات بغداد بالتحرك عسكرياً، ومن جهتها قامت الحكومة الاتحادية بإلغاء الرحلات الجوية في الإقليم، في حين هدد جيرانه بتدخل اقتصادي وعسكري.

وأضافت الصحيفة أنه بعد أكثر من أسبوع على ذلك، لم يتخذ الكرد خطوات فعلية من أجل إعلان الاستقلال، ولم تقم بغداد وحلفاؤها بأي شيء لتنفيذ التهديدات بالتدخُّل، وكان الاستفتاء على الاستقلال لحظة حاسمة في كفاح الكرد الطويل للحصول على وطن، لكن لا بغداد ولا الكرد يبدون عازمين على تحويل تلك اللحظة إلى أزمة، بحسب تقرير نيويورك تايمز.

وأوضحت أن النفط الكردي ما زال يتدفَّق، برغم تهديدات الأتراك بإغلاق خط أنابيب حيوي، ولا تزال قوات البيشمركة الكردية تقاتل إلى جانب التحالف العسكري الذي تقوده الولايات المتحدة في العراق، ولا تزال حدود الإقليم مفتوحة، ونظرت كافة الأطراف إلى المناورات التي قامت بها تركيا وإيران باعتبارها لا تعدو أن تكون مجرد إثبات موقف.

كما جرى هذا الأسبوع تخفيف أقسى إجراءات بغداد، المتمثلة في الحظر الذي فرضته الجمعة الماضية، على الرحلات الدولية من وإلى مطارات كردستان الدولية، حين أعلنت السلطات أنّها ستسمح للرحلات الجوية من كردستان بالمرور عبر بغداد.

وتابع التقرير أن بغداد قررت فرض إجراءات عقابية جديدة رداً على الاستفتاء الشهر الماضي، حيث أمرت بإيقاف تحويلات العملات الأجنبية إلى المنطقة الكردية، كما رفض مجلس النواب العراقي عودة النواب الكرد إلى حضور جلسات المجلس، وإنهاء قرار المقاطعة الذي اتخذوه على خلفية رفض البرلمان قرار استفتاء إقليم كردستان.

وبخصوص سر التصعيد، أشار تقرير الصحيفة الأميركية إلى أنه “ورغم أنَّ هناك قضايا وجودية على المحك -مثل إمكانية قيام دولة كردية مستقلة وتقسيم العراق، ربما تصرف الجانبان على نحوٍ استفزازي بسبب الاعتبارات السياسية المحلية جزئياً على الأقل”، واعتبر أن المنتقدين لتوقيت الاستفتاء اعتبروه محاولة من رئيس إقليم كردستان، مسعود بارزاني، لتعزيز شعبيته داخلياً وصرف الأنظار عن مشكلات الإقليم الاقتصادية.

أما بالنسبة لبغداد، كان يُنظر إلى رد الفعل القاسي من جانب رئيس الوزراء حيدر العبادي، باعتباره “محاولة لاسترضاء المتشددين الشيعة، الذين طالبوا برد شديد على الاستفزاز الكردي”.

وتطرقت الصحيفة إلى تصريحات المتحدث باسم المكتب الإعلامي للعبادي، سعد الحديثي، حيث أشار إلى ان الحكومة لم تنفذ معظم تهديداتها حتى الآن، كي تمنح الكرد “كل الفرص للتراجع عن موقفهم”، وأضاف “لا ترغب الحكومة في إثارة الموقف ونعتقد أنَّهم سيتراجعون”.

أما النائب في البرلمان العراقي وأحد المقربين من العبادي،علي العلاق، قال “إنها استراتيجية طويلة المدى”، مؤكدا ان بغداد ستقطع صادرات كردستان وعائداته إلى أن يستسلم الإقليم”، وتابع “في النهاية، ستأتي العائدات ويبقى بارزاني دون شيء وستنهار أحلامه”.

وقالت الصحيفة أن الكرد يقولون إنَّهم لم تكن لديهم نية أبداً لأن يُتبِعوا الاستفتاء بإعلان فوري للاستقلال، حيث أكد وزير الخارجية السابق، هوشيار  بأن الكرد أجروا الاستفتاء لفقدانهم الثقة، وأفاد ” لقد كُنا نحارب وضعاً بائساً من أجل بلدٍ ضائع. لكنَّ ذلك لا يتبعه تلقائياً إعلان إقامة الدولة في اليوم التالي. فشروط ومتطلبات بناء الدولة أكثر صعوبة بكثير من إجراء استفتاء في الـ25 من أيلول. ذلك لن يحدث بين عشية وضحاها”.

ونقلت الصحيفة عن مدير الاتصالات في مكتب بارزاني، هفال علي، قوله “لن يحدث تدخُّل عسكري. أولاً وقبل كل شيء لأنَّهم لا يمتلكون أي قوة عسكرية”، وأضاف ان العراقيين منشغلين بالمعركة ضد تنظيم داعش، والتي يعتمدون فيها على التعاون مع القوات المسلحة الكردية.

وأوضح الخبير في مجموعة الأزمات الدولية، جوست هيلترمان، “الحقيقة هي أنَّ أيَّاً من الجانبين لا يرغب في مواجهةٍ عسكرية، وإذا تفاقمت الأمور سيكون ذلك بسبب تطوُر ديناميكية معينة، وليس بالضرورة لأنَّ العبادي يرغب في تفاقهما. لا أعتقد أنَّنا قريبون حتى من تلك المرحلة”.

وذكرت الصحيفة ان اختراق الأزمة جاء من مصدرٍ غير متوقع، تمثَّل في خطاب المرجعية الدينية العليا علي السيستاني، الذي انتقد بشدة فكرة إقامة دولة كردية مستقلة، لكن في الوقت نفسه دعا لإجراء حوار ودعا بغداد لاحترام حقوق الكرد، وأشار مراقبون إلى ان السيستاني جعل انخراط العبادي في حوارٍ مع أربيل آمناً من الناحية السياسية، كماجعل انفصال كردستان خطاً أحمر لا يمكن لبغداد تجاوزه”.

وبالنسبة لمواقف تركيا وإيران، أكدت الصحيفة أن أنقرة وطهران اللتين عارضتا الاستقلال الكردي خوفاً من خطوات مماثلة بين صفوف الأقليات الكردية الموجودة بالدولتين، لم تتمكنا من متابعة تهديداتهما القوية، التي تضمَّنت القيام بمناوراتٍ عسكرية على الحدود والعزلة الاقتصادية.

وأضافت أن تركيا على وجه الخصوص تملك أكبر تهديد للتسبب في اضطراب الاقتصاد الكردي، والقدرة على إغلاق خط الأنابيب الذي ينقل النفط الكردي، الذي يمر عبر تركيا ويُوفر أكبر مصادر الدخل لحكومة إقليم كردستان.

وحتى الآن، لم تفاقم “أزمة الاستقلال” الأزمة الاقتصادية الكردية بشكلٍ ملحوظ، باستثناء الصناعات التي تخدم الزوار الأجانب، مثل الفنادق، حيث  قالت روزا مصطفى، وهي مُنسّقة مبيعات في فندق روتانا الفخم في أربيل، إنَّ واحداً من فنادق الشركة، فندق أرجان روتانا، كان لديه “زائر واحد أو زائران” في غرفه الـ165، نتيجة لحظر السفر.

وأوضحت الصحيفة أن المخاوف بشأن الاستفتاء ستؤدي إلى موجة شراء بدافع الذعر في بلد يعتمد بشدة على السلع المستوردة، وربما يؤدي حتى إلى تداعيات تؤثر على البنوك، لأنَّ إقليم كردستان لا يمتلك بنكاً مركزيا خاصا به، ولم يحققه بعد ولا يزال جزءا من النظام المالي والعملة العراقية.