العراق / بغداد / وطننا /

عدنان أبو زيد

يسود الحذر في مدينة الموصل بشمال العراق، من احتمال نشوب فتنة طائفيّة بين السنّة والشيعة، بسبب اتّهامات للوقف الشيعيّ بأنّه يسعى إلى الاستيلاء على أراض تابعة للوقف السنيّ، وأكّد ذلك رئيس تحالف القرار العراقيّ أسامة النجيفي في 30 كانون الثاني/يناير من عام 2019، لافتاً إلى “أنّ الوقف الشيعيّ في نينوى يحاول تسجيل المئات من سندات الملكيّة التابعة للوقف السنيّ باسمه، مستخدماً نفوذه عبر كتب رسميّة صادرة من مديريّة التسجيل العقاريّ العامّة”، متّهماً إيّاه “بالضغط وتهديد موظّفي التسجيل العقاريّ في الموصل”.

يأخذ الأمر منحى جديّاً بمطالبة الوقف السنيّ، الحكومة الاتحاديّة “بوضع حدّ لمحاولات الوقف الشيعيّ الاستيلاء على المزيد من العقارات والأراضي والممتلكات العائدة له”، بحسب بيان عضو مجلس النوّاب العراقيّ عن نينوى شيروان الدوبرداني ، وأشار إلى أنّ “جماعات مسلّحة غير منضبطة تعمل على الاستيلاء على الأراضي في نينوى، في عمليّات خارجة على القانون”، لافتاً إلى أنّ “لجنة تقصّي الحقائق سوف تسمّي الجهات المتورّطة بشكل رسميّ”، وقال: “إنّ الجهات الرسميّة في نينوى قدّمت شكوى إلى رئيس الوزراء عادل عبد المهدي، من أجل سرعة التدخّل لوقف الانتهاكات على الأوقاف السنيّة والأراضي التابعة لها”.

وأشار إلى أنّ “نوّاب نينوى سوف يتّحدون في موقف موحّد لإصدار قرارات توقف هذه الانتهاكات”.

ويعود إنشاء الوقف السنيّ والشيعيّ إلى عام 2003، بعيد الاجتياح الأميركيّ للعراق وتقسيم وزارة الأوقاف ما بين وقف سنيّ وشيعيّ. وبعد احتلال “داعش” للموصل في عام 2014، انقطع الوقف الشيعيّ عن مهامه في المحافظة، ليعود بعد تحرير المدينة، وافتتح مقرّه الأوّل في شرق الموصل بـ19 كانون الأوّل/ديسمبر من عام 2017.

إنّ حقيقة النزاع ليست وليدة اليوم، إذ أوضح محافظ نينوى السابق أثيل النجيفي في بيان بـ26 كانون الثاني/يناير من عام 2018 أنّ “ديوان الوقف الشيعيّ طلب في عام 2010 تحويل ملكيّة 20 مسجداً من مساجد السنّة التاريخيّة إلى عائديّته، وجميع المساجد الـ20 في المدينة القديمة، والتي دمّرت بفعل المعارك”.

وكان مدير الوقف السنيّ في نينوى أبو بكر كنعان اتّهم، في 27 كانون الثاني/يناير، الوقف الشيعيّ بالاستيلاء على أراض فيها سندات ثبوتيّة بعائديّتها للوقف السنيّ والعائدة لوقف النبيّ شيت وأرض النبيّ يونس، فيما ناشـد المئات من أصحاب البسطات بمنطقة النبيّ يونس، في أيلول/سبتمبر من عام 2018، الحكومة المحليّة والمركزيّة التدخّـل وإيقاف تجاوزات المستثمرين المـتعاقدين مع الوقف الشيعيّ.

وتحدّث مدير علاقات ديوان الوقف الشيعيّ فرقد السعدي عن أنّ “الديوان كذّب ما نشره موقع الويب للوقف السنيّ في نينوى على لسان مديره أبو بكر كنعان”، مشيراً إلى أنّ “هناك عقارات غير محسومة العائديّة ومسجّلة باسم وزارة الأوقاف والشؤون الدينيّة المنحلّة. وبموجب القوانين والأنظمة، من حقّ الوقف الشيعيّ استئجارها، وفق الضوابط الرسميّة”.

وأوضح فرقد السعدي أنّ “القرارات الرسميّة تفيد بإمكانيّة استثمار العقارات إلى حين حسمها من قبل لجان العزل والتفكيك”.

وردّ مدير الوقف الشيعيّ في نينوى باسم البياتي على الاتّهامات أيضاً في بيان , بالقول: “إنّ استئجار موقع النبيّ شيت في الجانب الأيمن بالموصل من قبل الوقف الشيعيّ، هو أصوليّ وحسب الضوابط، وهذه آليّة عمل بها أيضاً الوقف السنيّ باستحواذه على أراضي وزارة الأوقاف والشؤون الدينيّة المنحلّة”.

من جهته، قال مستشار مركز التنمية الإعلاميّ العراقيّ واثق الجابري : “أنا متابع باستمرار لنزاع متراكم بين الوقفين السنيّ والشيعيّ – حتّى قبل اجتياح داعش للموصل – حول عائديّة الجوامع والمزارات”. وأشار إلى أنّ “مصادره في الوقفين أكّدت له أنّ هناك اتفاقاً على أنّ العقار في حال وقوعه بمنطقة شيعيّة يكون للشيعة، والعكس صحيح أيضاً. ولقد تمّ تبادل بعض الممتلكات”.

وعزا واثق الجابري أسباب الصراع إلى “المردودات الماليّة لبعض العقارات والمتاجر المؤجّرة المرتبطة بها، فيما السبب الآخر سببه الفوضى التي أحدثها تنظيم داعش، إذ تمّ أثناء فترة احتلال التنظيم للمدينة تحويل بعض من جوامع الشيعة إلى الوقف السنيّ. وبعد أحداث داعش، ذهب الحشد الشعبيّ للتحرّي بقصد إعادة المساجد إلى عائديّتها الأصليّة. أمّا السبب الثالث فيعود إلى جهات تسعى إلى فتنة طائفيّة لمنع التقارب الشيعيّ – السنيّ في المدينة، وتصوير الأمر على أنّه محاولة لنشر التشيّع في المدينة”.

لا يبتعد النائب عن محافظة نينوى حنين القدو عن هذا التصوّر، نافياً “وجود عمليّات استيلاء شيعيّة ممنهجة على ممتلكات المدينة”، وقال: “إنّ الأمر يتعلّق بإجراءات تنظيميّة. وعلى الوقفين السنيّ والشيعيّ الاحتكام إلى القضاء وتقديم الأدلّة والوثائق بعيداً عن الإعلام”.

القضاء الذي يوصي به حنين القدو حلاًّ، تحدّث عن تفاصيله القاضي السابق والخبير القانونيّ علي التميمي بقوله : “إنّ أيّ عمليّة استيلاء على عقار أو أرض من كلا الجانبين تعتبر مخالفة للمادّة 27 من الدستور والمادّة 124 من القانون المدنيّ العراقيّ والقانون 21 لسنة 2013 الذي ينظّم بيع وتداول أموال الدولة. كما يمكن للمحكمة أن تحكم ببطلان ذلك، وفق المادّة 141 من القانون المدنيّ، تحت مفهوم الغبن الفاحش، وتعيد الحال إلى ما كانت عليها”.

لا تخلو محاولات الاستحواذ على الأوقاف السنيّة في سامراء ونينوى من الصراعين السياسيّ والطائفيّ، لا سيّما في المناطق المختلطة طائفيّاً مثل هاتين المدينتين، إذ رغم كونهما ذات أغلبيّة سنيّة، إلاّ أنّهما تضمّان العشرات من الأوقاف الشيعيّة، الأمر الذي يجعل ذلك سبباً دائماً لصراع محتدم، خصوصاً حول الممتلكات المسجّلة باسم وزارة الأوقات المنحلّة، ما لم يلجأ الجميع إلى القانون ويحيّد ملف الأوقاف بعيداً عن الصراعين الطائفيّ والسياسيّ، وهو أمر يصعب تحقيقه في الوقت الحاضر.