د. صادق السامرائي /

الكراسي في مجتمعاتنا ترمز للسلطة والحكم والقوة والإستحواذ على مقدرات البلاد والعباد , وعليها أن تكون ذات جبروت وطغيان وكبرياء وإستبداد مطلق , لكي تستتب الأمور وتذعن لها القِوى التي تتحرك في البلد الذي تتحكم فيه.

والسلوك البشري لا يكاد يختلف عندما يتعلق الأمر بالكراسي , ذلك أن إرادة النفس المطمورة هي التي تنفلت , فتبسط نفوذها وتؤكد قوتها ونوازعها وتطلعاتها , المعبرة في جوهرها عن طبائع الغاب المبثوثة في المخلوقات بأنواعها , فهي تأكل بعضها وتقتل بعضها وتقتات على بعضها , ولا يردعها إلا الضعف والعجز.

فالواقع الأرضي في طبيعته السلوكية غابي , ولا خيار للأحياء سوى أن تكتسب المهارات الغابية لكي تبقى وتتواصل , وقد نتصور بأن البشر يختلف عن غيره من المخلوقات في سلوكه , فذلك نوع من البهتان , لأنه قد أوجد الحيل الكفيلة لتسويغ غابيته السلوكية , ومنحها عناوين ومسميات تؤهله للتحول إلى وحش شرس فتاك.

وعندما يتعلق الموضوع بالكرسي الذي يرمز للسلطة , فأن الغابية تتجسد بوقاحة , فتكون للكرسي أنياب ومخالب , وقدرات تحفزية للإنقضاض على أية فريسة يراها أمامه , فالكرسي يميل إلى التفرد والتوحش والإفتراس السريع لكل مخلوق يمكنه أن يقرأ في عيونه نوايا لا تعجبه , ويغرق في الشك المروع الذي يجعله لا يثق بأحد , ويقضي عليه حالما يجد عنده رغبة للإقتراب منه.

وبعض المجتمعات حاولت الإلتفاف على غابيتها بإبتداع أنظمة حكم متنوعة , التي في حقيقتها تعبيرات عن الغابية بأساليب دستورية وقانونية , تجعل من الأغلبية ذات قدرات إنفلاتية للنيل من الآخرين وإفتراسهم , كما يحصل في عالمنا المعاصر , الذي تقوم به الدول القوية بإلتهام الدول الضعيفة , وفقا لتبريرات تجتهد بتأليفها وإخراجها.

وحتى الأديان ومنذ الأزل تمكنت من تسويغ الغابية وتأكيد الإفتراسية والدموية والوحشية , بما تمليه عليها رؤاها وتصوراتها وكتبها , وقادتها الذين يقررون ويُحسَبون من المقدّسين الذين لا ينطقون عن الهوى , وإنما يمتلكون قدرات الغيب.

وعليه فأن القول بوجود نظام حكم لا يتصف بالغابية والوحشية فيه نوع من التجني على الطبع البشري , وإمعان في المثالية والتصورات الفنتازية.

فالكراسي تتوحش وتفتك , وهي القوة الممثلة لنداءات النفس الآمارة بما يجيش في أعماق وحوش الغاب الهائمة , المتحفزة للإفتراس!!