العراق / بغداد / وطننا /

مصطفى سعدون /

بعد أكثر من عامين على إعلان تحرير العراق من تنظيم “داعش”، تعمل الحكومة العراقيّة على إصدار أوراق ثبوتيّة للأطفال الذين ولدوا في فترة سيطرته على مناطق واسعة من العراق، بعد أن كانت ترفض ذلك. ووفقاً لتقرير نشرته صحيفة “ذي تلغراف” البريطانيّة، في ٢٢ حزيران/يونيو الحاليّ، فإنّ هناك ما يقارب الـ45 ألف طفل في العراق ليس لديهم أيّ أوراق ثبوتيّة حتّى الآن لأنّهم ولدوا أثناء سيطرة تنظيم “داعش” على مناطق كانوا يسكنونها، وهو الأمر الذي عرقل عمليّة إصدار الأوراق الثبوتيّة لهم بعد عمليّات التحرير.

لكنّ الحكومة العراقيّة غيّرت من موقفها غير المعلن من عدم إصدار الأوراق الثبوتيّة لهؤلاء الأطفال، وقرّرت أن تمنحهم الجنسيّة العراقيّة في خطوة تمنع أن يكون مصير عشرات الآلاف من الأطفال “مجهولاً”.

وفي 26 حزيران/يونيو، أعلنت مقرّرة لجنة الطفل والمرأة في مجلس النوّاب العراقيّ السابق ريزان الشيخ عن بدء الحكومة العراقيّة بوضع آليّات لحلّ مشكلة الأطفال الذين ولدوا أثناء فترة وجود تنظيم “داعش” ولم تصدر لهم أوراق ثبوتيّة من الدولة العراقيّة، مشيرة إلى أنّ “الحكومة اعتمدت آليّات خالية من الغبن وتغييب الحقوق، وأبعدت عن الملف المواقف الشخصيّة والعنصريّة. وبالتالي، سيحصل هؤلاء الأطفال على أوراق ثبوتيّة”.

ويمنح الدستور العراقيّ في مادّته الـ18 الجنسيّة العراقيّة لكلّ من ولد لأب عراقيّ أو أمّ عراقيّة، وهذا يعني أنّ هؤلاء الأطفال الذين ولدوا في فترة سيطرة تنظيم “داعش” يحقّ لهم الحصول على الجنسيّة العراقيّة.

ووصف المحامي إسماعيل سعد خطوة الحكومة العراقيّة بمنح هؤلاء الأطفال الأوراق الثبوتيّة بـ”الإيجابيّة”، إذ من شأنها إنقاذهم ممّا وصفه بـ”الضياع المُحتّم”، وقال : “من الضروريّ أن تتحوّل هذه القرارات إلى آليّات عمل تنفيذيّة لا تعيق عمليّة إصدار الأوراق الثبوتيّة. كما من الضروريّ الإسراع في إصدار الأوراق لمن هم مقبلون على الدخول إلى المدارس”.

عندما ولد هؤلاء الأطفال كانوا قد سجّلوا في ما كان يسمى بـ”المحاكم الشرعيّة” التابعة لتنظيم “داعش”، وحصلوا على أوراق صادرة عنها تثبت ولادتهم، لكنّ الحكومة العراقيّة لم تكن تريد الاعتراف بهذه الأوراق، إلاّ بعد أن رأت وجود استحالة تسجيلهم من دونها، فهي الوثائق الوحيدة التي يمتلكونها.

لم يحصل هؤلاء الأطفال الذين يعيش عدد منهم في المخيّمات الآن على الرعاية الصحيّة، ولن يستطيعوا التسجيل في المدارس خلال العام المقبل من دون أن تصدر لهم الحكومة العراقيّة الأوراق الثبوتيّة، فبعضهم سيكون مؤهّلاً من ناحية العمر خلال العام المقبل للتسجيل في المدارس، لكنّه سيحرم من ذلك إذا ما أعطته الحكومة مستمسكات الدولة العراقيّة الرسميّة.

وبحسب مقرّرة لجنة حقوق الإنسان في مجلس النوّاب العراقيّ وحدة الجميلي، فإنّ هناك محاكم خاصّة ستشكّل لتسجيل الأطفال الذين ولدوا في فترة سيطرة تنظيم “داعش”، وستصدر لهم شهادات ولادة، بناء على أوراق وإثباتات شهود، وستكون العمليّة أسهل للأطفال الذين ما زال والداهم على قيد الحياة.

وقالت وحدة الجميلي في 1 حزيران/يونيو: “إنّ هذا الإجراء، الذي عملت عليه لجنة حقوق الإنسان والحكومة والقضاء العراقيّ، يجب أن يستمرّ إلى حين الانتهاء من هذه المشكلة، فمن غير المعقول أن يبقى الأطفال العراقيّون من دون أوراق ثبوتيّة تضمن حقوقهم الصحيّة والتعليميّة والغذائيّة”.

وتحدّث مصدر في مجلس القضاء الأعلى العراقيّ عن الآليّة التي سيتمّ الاعتماد من خلالها على إصدار الأوراق الثبوتيّة للأطفال، لافتاً إلى أنّ “الذين ما زال والداهم على قيد الحياة فعمليّة إصدار الوثائق لهم ستكون سهلة من خلال حضور الأبوين وإثنين من الشهود إلى المحكمة”، وقال: “ربّما سيتمّ الاعتماد على تحليل الـDNA، لكن هذا قد يأخذ وقتاً طويلاً ويحرم عدداً منهم لأشهر من الحصول على الرعاية الصحيّة ومن التسجيل في المدارس ورياض الأطفال الحكوميّة والأهليّة”.

ووفقاً للمصدر القضائيّ، فإنّ الأطفال الذين فقدوا آباءهم أو أمّهاتهم أيضاً، فستكون هناك صعوبة في إصدار الوثائق لهم، فلن تكون هناك أيّ أدلّة تشير إلى أنّ هؤلاء من أبوين عراقيّين. إضافة إلى ذلك، فإنّ السلطات تخشى من أن يكون آباء الأطفال ينتمون إلى تنظيم “داعش” وجاؤوا من دول أخرى.

إجراءات الحكومة العراقيّة ليست بجديدة، لكنّها بدأت الآن تقريباً، فمنذ عام 2016، أعلن رئيس الحكومة السابق حيدر العبادي عن عدم وجود أيّ مشكلة لدى الحكومة في تسجيل الأطفال، الذين ولدوا أثناء فترة سيطرة “داعش” على مناطقهم.

هناك نوعان من الأطفال في المناطق التي كان يسيطر عليها تنظيم “داعش”: الأوّل لأبوين معروفين وغير مجهولين وليسا من عناصر تنظيم “داعش”، وهؤلاء الذين تعمل الحكومة العراقيّة على إصدار أوراق ثبوتيّة لهم.

أمّا النوع الثاني، فهو الأطفال الذين ولدوا لنساء عراقيّات من مقاتلين أجانب دخلوا الحدود العراقيّة بطرق غير شرعيّة للقتال إلى جانب تنظيم “داعش”، وأغلبهم قتل أو اعتقل أو اختفى. وفي أحيان كثيرة، تكون الأم أيضاً قد قتلت أو اعتقلت أو اختفت، فبقي الأطفال عند أقاربهم أو من يتبنّاهم، وهؤلاء يعتبرون “معضلة” بالنّسبة إلى الحكومة العراقيّة التي لا تعرف نسبهم.

وفي المحصّلة، تجد النساء اللواتي قتلن أزواجهنّ أو اختفوا صعوبة في إقناع السلطات العراقيّة بأنّ الأطفال الذين ولدوا أثناء سيطرة “داعش” على مناطق في العراق، هم أطفالهنّ، وربّما سيكون هؤلاء الأطفال آخر من سيحصل على الأوراق الثبوتيّة، ربّما لحاجة وضعهم إلى تكييف قانونيّ أو إجرائيّ لغياب أحد الأبوين.