محسن عوض الله /

منذ سقوط نظام البعث الحاكم في العراق، بزعامة صدام حسين على يد الاحتلال الأميركي في عام 2003، وضعت إيران يدها على مقاليد بلاد الرافدين، بصورة تحوَّلت معها العاصمة العراقية بغداد من منارة للثقافة العربية قوية إلى “عاصمة للإمبراطوية الفارسية” كما وصفها مستشار الرئيس الإيراني علي يونسي في تصريح له في عام 2015. لم يخطئ المسؤول الإيراني فى حديثه عن العراق، بل ربما تكون تلك الكلمات من أصدق ما صرَّح به المسؤولون الإيرانيون خلال السنوات الأخيرة، فبغض النظر عن الموقف من الرئيس العراقي السابق صدام حسين، إلا أنه كان بمثابة حائط صد قوي أمام الطموحات الإيرانية، ولم تجرؤ “دولة الملالي” في عهده على التمدد أو التدخل في الدول العربية كما هو الحال الآن. على مدار أكثر من 15 عاماً، تحكمت إيران في العراق في شكل كامل، فالائتلافات الانتخابية تتشكل من طهران، والكابينة الحكومية يختارها سفيرها في بغداد، والرئاسات الثلاث (البرلمان والحكومة والرئاسة) لا تمر من دون موافقة “الحرس الثوري”. السيطرة الإيرانية على العراق، سبقها توغل كامل للملالي في إيران وتحكم فى المشهد السياسي في بلاد الأرز مِن طريق “حزب الله”، كما تبعه إسقاط اليمن، والسيطرة على السلطة فيها مِن طريق دعم جماعة الحوثيين التي انقلبت على الشرعية الدستورية وأطاحت الرئيس الحالي عبد ربه منصور، وقتلت الرئيس السابق علي عبدالله صالح. وبعد سنوات من الاستسلام للهيمنة الإيرانية، استفاق العرب عقب وصول التدخلات الإيرانية إلى عقر دارهم، وهدَّدت حياة مواطنيهم، وبدا الموقف العربي حاسماً تجاه التدخلات الإيرانية في اليمن، فتشكَّل التحالف العربي لدعم الشرعية لمواجهة جماعة الحوثيين المدعومة إيرانياً بالقوة العسكرية. وفي لبنان، نجح العرب في دعم المناهضين للنفوذ الإيراني وتمَّ تشكيل تحالف بقيادة رئيس الحكومة سعد الحريري. أما في العراق، فمازالت البوصلة العربية تائهة بين دعم بعض القوى الحزبية والتيارات السياسية في بغداد التي ظهرت كمناهضة للنفوذ الإيراني من خلال تصريحات إعلامية، ولكنها سرعان ما كشفت عن قناعاتها وتحالفت مع رجال إيران في العراق وما أكثرهم.

ربما يحتاج العرب إلى البحث عن شريك حقيقي قادر على الوقوف في وجه النفوذ الإيراني المتفشي في العراق، وفي ظل توصيف الملالي لبغداد كعاصمة لامبراطوريتهم المزعومة. يجب على العرب البحث عن حليف أو قوة مناهضة لإيران خارج بغداد التي يجب أولا الاعتراف بسقوطها لتسهل عملية تحريرها.

ربما تكون إيران نجحت في فرض سيطرتها على بغداد ولكنها مازالت غير قادرة على فرض نفوذها على عموم العراق، ومازالت هناك مدن وأقاليم عراقية ترفع راية التحدي فى وجه الملالي وهي الأحق بالدعم العربي. يمثل أكراد العراق مقاومة قوية فى وجه النفوذ الإيراني، في ظل قيادة رئيس إقليم كردستان نيجرفان بارزاني علماً أن الوضع في هذا الإقليم مختلف عن عموم العراق، وبخاصة عن بغداد. فخلال فترة رئاسته لحكومة كردستان العراق التي امتدت لقرابة 18 عاماً على فترات متفرقة، سعى نيجرفان بارزاني إلى ترسيخ ثقافة التعايش، وفقه التآخي، واستراتيجيا المواطنة، بصورة أصبح معها الإقليم واحة لا تعرف الطائفية، ولا العنصرية، ولا المحاصصة العرقية. في كردستان، لا فرق بين مواطن عربي أو كردي، ولا تمييز بين مسلم سني أو شيعي، وربما يرجع السبب الرئيس في نجاح الإقليم في تطبيق سياسة التعايش هذه إلى غياب النفوذ الإيراني.

هذه الوضعية المتفردة لإقليم كردستان العراق ونجاح ساسته في مواجهة النفوذ الإيراني، تجعل منه شريكاً مناسباً وحليفاً مثالياً للدول العربية الراغبة في استعادة العراق من أحضان “دولة الملالي” وحماية الأمن القومي العربي من التمدد الإيراني الذي دمَّر عدداً من الدول العربية وخرَّبها.

يجدر بالدول العربية، أن تدعم إقليم كردستان سياسياً واقتصادياً، لاستكمال مسيرة التنمية التي يقودها نيجرفان بارزاني بصورة تعزز قوة الإقليم وإقتصاده ما يجعله منارة لبقية أقاليم العراق وحافزاً لبقية مدن الرافدين للخروج من العباءة الإيرانية.

وعلى الدول العربية أن تدرك أن رحلة استعادة بغداد عاصمة الرشيد تبدأ من كردستان، وأن وجود نيجرفان بارزاني كرئيس للإقليم، يمثل فرصة سانحة يجب استغلالها وبسرعة، فمن النادر أن نجد سياسي عراقي يدعو إلى التعايش ويؤمن بالمواطنة، ولا يعترف بالطائفية أو المذهبية والمحاصصة الدينية والعرقية فى عراق ما بعد صدام.

* كاتب مصري