هيفاء زنكنة /

يتم بين الحين والآخر إطلاق نداءات استغاثة من داخل أحد السجون العراقية لجذب الانتباه الى ما يعانيه السجناء من أوضاع مزرية لا تليق «حتى بالحيوانات» حسب تعبير أحد السجناء الذي تمكن، أخيرا، من ابلاغ رسالته الى مصدر موثوق به، منبها الى نقل اعداد من الاحداث المعتقلين بتهمة الإرهاب، من مدينة الموصل، الى سجن الناصرية سيئ الصيت، لكثرة تنفيذ احكام الإعدام. طالب صاحب الرسالة «ذوي الضمائر الحية» والمجتمع الدولي بالتدخل لإنقاذ حياة الفتيان. يحيلنا هذا النداء وتهمة «الإرهاب» التي وسمت الفتيان، وعلى الاغلب اعترافاتهم، الى تصديق ناقل النداء حسب المعطيات المتوفرة حتى اليوم حول واقع المحاكمات الجائرة التي تتم في العراق، في ظل نظام قضائي يتسم بالعيوب العميقة، حسب تقرير لمنظمة «هيومان رايتس ووتش»، الحقوقية، حيث «يُحرم المتهمون، ولاسيما المشتبه في علاقتهم «بالإرهاب»، من حقهم في الحصول على الوقت الكافي والتسهيلات الكافية لإعداد الدفاع، وفي عدم تجريم النفس أو الاعتراف بالذنب، واستجواب شهود الادعاء. وتستمر المحاكم في قبول «الاعترافات» التي تُنتزع تحت وطأة التعذيب كأدلة. وحُكم بالإعدام على العديد من المتهمين الذين أُدينوا إثر محاكمات جائرة».

ولا تكتفي السلطات العراقية بإصدار وتنفيذ أحكام الإعدام بحق المعتقلين بتهمة «الإرهاب»، خاصة، بعد ان شرعنت المعركة ضد تنظيم الدولة الإسلامية (داعش) كل أنواع الانتهاكات بحجة محاربة الإرهاب، بل غالبا ما تشمل الاعتقالات المحامين الذين يدافعون عن المتهمين واتهامهم بأنهم أعضاء في التنظيم. ومع حرمان المعتقلين من التواصل مع ذويهم أو العالم الخارجي، عموما، صار من السهل على السلطات العراقية، تنفيذ الإعدامات دون نشر أي أرقام رسمية حول هوية المعتقلين أو جرائمهم أو مشاركة هذه المعلومات مع الجهات الفاعلة الدولية، مكتفية، أحيانا، بإصدار تصريح مقتضب ينص على «تنفيذ حكم الإعدام بعدد من الإرهابيين»، في حال تعرضها لضغط دولي يطالبها باحترام حقوق الانسان، مستهينة بذلك بواحد من أهم حقوق الانسان على الاطلاق وهو حق الحياة الذي تواصل انتهاكه، يوميا، بإعداماتها التي جعلتها تحتل المرتبة الرابعة في اعلى معدلات الإعدام في العالم، بعد إيران، والصين، والسعودية.

يشير فوز العراق بهذه المرتبة «العربية»، الى وجود هوس مرضي يدعى عقوبة الإعدام، ينتشر كما الطفيليات والاعشاب الضارة، بين حكام وساسة البلدان العربية، ولا يوجد في الأفق ما يدل على التخلص منه، إذا ما استمرت حالة الاستبداد السلطوي، واعتبار الشعوب أعداء غير جديرين بالحياة، على وضعها الحالي، ومع ازدياد تنفيذ أحكام الإعدام بأعداد متزايدة من الرجال ولا يستثني النساء، ويمتد، بلا استثناء أيضا، من مصر الى العراق الى المملكة العربية السعودية مرورا بسوريا، ليمنح خارطة الدول العربية لونا قانيا يُزيد من محنة شعوبها وتصاعد الإحساس بالظلم.

الاعدامات، اذن مستمرة وإصدار الاحكام بالإعدام يتزايد، في البلدان العربية وما يجاورها، بسرعة مخيفة تدفع العديد من الناشطين الحقوقيين والقانونيين، الى استخدام مفردات ادانة لم تكن واردة، في قاموسهم اللغوي سابقا، تجاه الحكومات التي حولت العقوبة من حكم نادر الإصدار الى فعل عادي قد يتعرض له أيا كان ولأي سبب كان. اذ يوفر القضاء العراقي، مثلا، للمسؤولين فرصة، لا مثيل لها، لانتقاء التهمة التي يراد منها إنزال عقوبة الإعدام، حيث يسمح بعقوبة الإعدام في نحو 50 ‏جريمة.

فبات من المتعارف عليه في تصريحات ناطقين باسم مجلس حقوق الانسان، بالأمم المتحدة، مثلا، استخدام مفردات على غرار «الإقدام على ‏إعدام الناس بالجملة هو امر بغيض وقذر، وكأنه مسلخ لصناعة اللحوم في مجزرة ‏للحيوانات»، لوصف سلسلة الاعدامات بالعراق و«مسلخ بشري» لوصف التصفيات الجماعية في السجون السورية.

إن اختيار 140 بلدا، من أصل 192 بلدا، عضوا في الأمم المتحدة، التخلي عن عقوبة الإعدام، ليس عبثا، بل ناتج عن دراية واقتناع بأن عقوبة الإعدام هي العقوبة النهائية القاسية واللاإنسانية والمهينة ـ في جميع الحالات بلا استثناء، باعتبارها تشكل انتهاكاً للحق في الحياة نفسه، وان تاريخ البشرية والبحوث ذات العلاقة، أثبتت بما لا يقبل الشك، بان الإعدام ليس رادعا لارتكاب الجرائم بل، غالبا، ما يؤدي الى ولادة جيل يحمل في داخله بذور الانتقام، في حال، اعدام الأبرياء. وهذا ليس مستبعدا إذا ما تم تنفيذ حكم الإعدام، بسبب خلفيات إيديولوجية أو سياسية أكثر من كونه حكمًا للردع. وهو ما نراه بوضوح في العراق. فالقضاء مُسير سياسيا، ينتهشه الفساد، وخاضع كالعبد لمزايدات هستيريا شعبوية الخطاب السياسي مما يساعد على استخدام أحكام الإعدام للترويع والترهيب وكوسيلةٌ لتصفيةٍ وتطهيرٍ عرقيّ تحت مظلة القانون. ففي تموز/ يوليو، مثلا، وفي اعقاب تفجير الكرادة، ببغداد، مثلا، أمر رئيس الوزراء حيدر العبادي بتنفيذ أحكام الإعدام بشكل فوري في السجون بعد ثلاث ساعات فقط من تفجير الكرادة، وتم اعدام 65 محكوما، كانوا موجودين في السجن عندما تم التفجير الإرهابي.

وبينما يواصل القضاء غير النزيه تنفيذ احكام الإعدام، تقوم السلطات بتغطية الانتهاكات التي ترتكبها أو تتعامى عن ارتكابها، من التعذيب والإعدام خارج نطاق القضاء والاختفاء القسري، ضد المواطنين، بالإعلان عن تشكيل لجان تحقيق. ولم يحدث ونشرت أيا من تلك اللجان، التي يتجاوز عددها المئات، النتائج التي توصلت إليها. وبدلا من ان تقوم السلطة ولجانها بالبحث عن الحقيقة والعثور على الجناة ومحاسبتهم قضائيا، يسارع المسؤولون، تخديرا لمشاعر الغضب الشعبي وتغطية لفشلهم، بتنفيذ احكام اعدام جماعية بمعتقلين، بعضهم موجود في السجن منذ سنوات، بعد أيام من كل تفجير إرهابي.

إذا كان هناك من درس علمنا إياه تاريخ العراق، خاصة، فهو ان تنفيذ أحكام الإعدام لن تحل مشاكل العراق ولن تضع حدا للإرهاب، مهما كان نوعه، بل انه أحد عوائق استعادة اللحمة الاجتماعية والمصالحة، بعد سنوات من تأجج المشاعر وبذر روح الانتقام المستغل سياسيا. أحد الأسئلة التي تستوقفنا عند البحث في عقوبة الإعدام وتعذيب المعتقلين، هو: كيف سيساعد اختطاف فتيان ونقلهم الى سجون، بعيدا، عن ذويهم، تحت طائلة قضاء غير نزيه، معروف بأحكامه الجائرة، الى المصالحة؟

يقول بيتر ماورير، رئيس اللجنة الدولية للصليب الأحمر (شباط/فبراير 2019) على وجوب اتباع الإجراءات القضائية وتوفير ظروف احتجاز لائقة تطبق بشكل منصف على جميع المحتجزين بصرف النظر عن الاتهامات الموجهة إليهم أو بلدانهم الأصلية. وإذا كانت السلطات جادة في مكافحة الإرهاب، فيتوجب عليها « الكشف عن مصير العدد الهائل من الأشخاص الذين لا يزالون في عداد المفقودين» الذين تصل أعدادهم مئات الآلاف.

«لقد التقيت في الموصل بعائلاتٍ تبحث عن أحبائهم المفقودين. أخبروني بما يعتصر قلوبهم من آلام يومية بسبب عدم معرفة مصير ذويهم. ولا بد للمجتمع ـ والسلطات العراقية ـ التصدي بشكلٍ مباشر لهذه المشكلات التي تؤجج العواطف».

 

كاتبة من العراق