جاسم مراد /

ليس هناك أب واحد ، لعمليات التراجع المفجع لواقع حال العراق ، بل كل القوى والتيارات والاحزاب المشاركة في السلطة مسؤولة عن ذلك ، وتحميل رئيس الوزراء عادل عبد المهدي المسؤولية ، هو بالضرورة هروب للأمام ، وتعبير واضح عن ضعف الشجاعة في تشخيص الخلل ، والعبور بالعراق الى واقع جديد ، واقع يحدد مسببات الازمة، التي هي متداخلة مع تركيبة القوى على اختلاف توجهاتها ، هذه القوى والكيانات التي لاتفصل بين انانيتها الاستحواذية على مفاصل السلطة ، وبين حق العراق في النهوض، وحقوق الشعب في حياة كريمة .

فهي دائماً أي تلك القوى تدفع بشخصيات وعناصر غير مؤهلة في المجالين الاقتصادي والتنموي والبنائي ، وتبعد وتحارب اصحاب الكفاءة والخبرة ، بحجج مختلفة كي تبقى ضامنة لفرضية الاحتواء والسيطرة على مقاليد السلطة والحكم ، وأن عملية تدوير التهم للشخصيات المختصة في المجالات الاقتصادية والبنيوية والتربوية ، هو بالضرورة يهدف الابقاء على الخلل القائم بغية الاستحواذ المستمر .

ليس السيد عادل عبد المهدي وحده يتحمل مسؤولية أزمة البلد ، قد يكون مسؤولاً عن ضعف القرارات والمحاسبة والمكاشفة ، لكن في ذات الوقت ماذا يفعل أمام اطراف وكيانات تحيط وتحبط أي اجراء يلامس مصالحها وشخوصها ، أي إن الأزمة في حقيقة الامر ، هي أزمة نظام ، وتركيبة سلطة مبنية على المحاصصة والمذهبية والعرقية ، وكل طرف من هؤلاء له اجندته واتجاه ولاءاته ، وما يتعلق بالوطنية العراقية ومصالح الشعب ، فهي حالة نسبية ترتفع وتنخفض على وفق ضرورات المصالح ، وليس نتيجة مبدئية راسخة في العقول والممارسات .

ليس مقبولا في كل المقاييس ، أن يصل الفقر في العراق الى نسبة ( 30%) كما ليس منطقيا ولا انسانيا ولا وطنيا ولا دينيا أن تصل نسبة الجوع أي الفقر في محافظة المثنى إلى ( 40 بالمئة) من مجموع سكان المحافظة ، وقس على هذا الامر في المحافظات الاخرى ، حيث يصل الفقر في محافظة صلاح الدين الى (37 بالمئة) وكذلك في النجف وكربلاء والبصرة ، والديوانية ، ونينوى ، وهذه الارقام شبه رسمية على وفق التقديرات والمسوحات للجهات الرسمية والدولية . هذا الوضع المأساوي ، لم يستفز ضمائر المسؤولين ، ولم تقف عنده تلك الكيانات السياسية على اختلاف اديولوجياتها وسياساتها ، حيث لم نسمع هناك وقفة جدية أما م حالة التردي في الحياة المعيشية للمواطن العراقي ، وليس هناك قراءة موضوعية لتلك القوى الحاكمة ، لشيوع الأمية في اوساط الشباب والفتية والاطفال في سن الدراسة ، حيث تفيد التقارير إن نسبة الأمية ارتفعت خلال الـ ( 10) سنوات الماضية الى (10) ملايين شخص أمي ، ويعتبر هذا الرقم هائل قياساً بعدد سكان العراق الذي يبلغ ( 30) مليون إنسان أو يزيد قليلاً ، يضاف الى ذلك الاعداد الهائلة من الشباب والشابات العاطلين عن العمل ، فبعض التقارير الشبه رسمية تشير الى إن نسبة العاطلين يتجاوز (15 بالمئة) من مجموع السكان ، يضاف اليهم سنوياً بحدود ( 250) الف من الخريجين من الجامعات والمعاهد وغيرها ، وهؤلاء ايضا يصطفون مع طوابير العاطلين عن العمل. كل هذا والبلد واقع (بين حانه ومانه ) كما يقول المثل الشعبي ، الأمر الذي يؤكد بان مايحكى من مشاريع قادمة على وفق برنامج الوزارة العدلية ، هو لايعدو كونه ، واحداً من تلك الوزارات التي سبقت وانتهت الى مزيداً من الارهاق للمواطن، وكثيراً من الفساد لموارد البلاد ، فلا يعقل أن تمضي دولة الى الامام ، وهي بعدة رؤوس ، ولايمكن أن يتحقق النهوض في دولة ضعيفة وكيانات سياسية تنتظر الربح الذاتي من المقاولين والمستثمرين والشركات بالقوة أو بالتخويف .يبدو إن الجميع في انتظار التوزيعات الجديدة للدرجات الخاصة ، وما ينتج من مجالس المحافظات القادمة ، نحن لانريد نضع الامور السوداوية فقط ، لكن هذا هو واقع الحال ، ولنا أمل ايضاً بنهوض البعض ، سيما عندما يتبلور الشعور ، بأن هذه الاعداد الهائلة من الشباب العاطلين عن العمل هم بالضرورة براميل بارود يصعب ابطال مفعولها .

بات من الواضح لم يتجرأ أحد على كشف وتشخيص مافيات الفساد ، كون الأمر اختلط الفساد بالسياسة ، وهذا الوضـــــع يحتاج الى قرار شجاع ومواجهة حتمية، فمن هو القادر في ظل دولة ( ركيكة ) وفاسدين اقوى من الدولة ، ولكن نقول ، هذا هو العراق ، في لحظة من الزمن نجده يطوي الألم ويستعيد عافيته . ويشير الكاتب الفرنسي ( مارسيل غوشيه  في كتابه نشأة الديمقراطية )الى إن البناء والتطور لايتحقق إلا بجهد جماعي في توظيف الزمــــــن لمراحل النمو والتطور حيث الكل مـجند للعمل ) ولكـن نحن مع الاسف الكل مبعد عن الجهد والعمل ، والقلة مستغلة الديمـقراطية المشوهة تتلاعب وتنـهب مقدرات البلاد.