جاسم الشمري /

منذ بداية شهر نيسان/ أبريل الماضي، يواصل مقتدى الصدر، زعيم التيّار الصدري، نشر سلسلة تغريدات على حسابه في “تويتر”، حدّد فيها بعض الآفات الاجتماعيّة والأخلاقيّة في العراق.

الصدر تحدث حتّى الآن عن أكثر من 16 آفة، وأكّد أنّ “العراق أصبح ينافس على المستويات الأولى بشأن مشاهدة الأفلام الإباحيّة، وابتزاز النساء العفيفات، وإغراء النساء للرجال والعكس، وانتشار الغيبة والنميمة، والحكم المتعجّل، والتسقيط، والأخبار الكاذبة، والشتائم، وانتشار الطائفيّة والصدامات العشائريّة، والمخدّرات، وتهديد المرضى للأطباء، والغشّ في المدارس، والرشوة، واستعمال الشعائر الدينيّة لكسب المال والتعدّي على الآخرين”، وغيرها من الآفات الواضحة في العراق!

وبعيداً عن التعليق على تغريدات الصدر التي هي في الغالب صحيحة، ودقيقة، تبرز أمامنا عدّة تساؤلات كبيرة ومهمّة، ومنها:

– منْ الذي تسبّب بهذا الاندثار لهيبة الدولة والقانون في بلاد كتب فيها أوّل قوانين الأرض؟

– منْ الذي أوجد هذه الآفات المهلكة في المجتمع بعد العام 2003، رغم سيطرة الأحزاب الدينيّة على الحكم؟

– هل هذه الآفات كانت شاخصة في العراق قبل مرحلة الاحتلال؟  وهل ما وقع منها كان بهذا الحجم المذهل؟

– ما دور الحكومات والبرلمانات المتعاقبة والقوى الحاكمة ووزارات التربية والتعليم والعدل والداخليّة وغيرها؛ في مكافحتها ومعالجتها؟

– ما دور المرجعيّات الدينيّة والأوقاف السنيّة والشيعيّة وغيرها؛ من هذه الكوارث الوطنيّة الاجتماعيّة والأخلاقيّة؟

ودون توقع الردّ من أحد على هذه التساؤلات المحيّرة، ينبغي التذكير بأنّه وعلى الرغم من الدعم الدوليّ والإقليميّ الواضح والكبير للعمليّة السياسيّة، ومحاولات تلميع صورتها أمام المجتمع الدوليّ، إلا أنّ هذا الدعم لا يغلّف الأوضاع المتردّية في العراق!

التصريحات التلميعيّة، أو التغليفيّة الهادفة لطمس معالم الخراب في العراق، فشلت في أداء مهمّتها؛ لأنّ الآفات صارت ظواهر واضحة في الحياة اليوميّة، وسنسعى لتشخيص بعضها بعجالة، لعلّها تكون صرخة في ضمائر المجتمعات والمنظمات الإنسانيّة والحقوقيّة الدوليّة والعربيّة والمحليّة لإنقاذ العراقيّين من هذه الآفات.

حقيقة ليس من السهولة تحديد تلك الآفات؛ لأنها آفات لها أوّل وليس لها آخر، منها القتل على الهويّة، والاعتقالات الانتقاميّة، والأمن الهشّ، وعودة الاغتيالات المنظّمة، واستمرار الظلم القضائيّ، وانتشار الإلحاد، واليأس والإحباط، وتهريب الموادّ الغذائيّة الفاسدة، والإهمال الصحّيّ، وغيرها المئات من صور الضياع لدور الحكومة والقانون، وبالنتيجة دمار الإنسان والعمران!

من أهمّ الآفات المغلّفة، ضياع هيبة الحكومة في التعامل السياسيّ الداخليّ والخارجيّ. ونلاحظ أنّ هنالك العديد من الأطراف المشاركة في الحكومة أحرجت رئيسها عادل عبد المهدي، عبر العديد من التصريحات غير المسؤولة، أو خلط بعض الملفات الداخليّة والخارجيّة، بينما أخذت الحكومة موقف المتفرّج العاجز عن إيجاد أيّ حلول قطعيّة لهذه التصريحات غير المنضبطة، التي يفترض أن تكون ضمن إطار عمل الحكومة، أو على أقل تقدير ضمن سياق عمل مجلس النوّاب!

الآفة الأخرى، هي ضياع آمال شباب العراق، لذلك ارتفعت نسب الانتحار لدى هذه الفئة الأهم والأبرز بين أبناء الوطن، بل إنّ معدّلات الانتحار عموماً ازدادت بنسب غير متعارف عليها في المجتمع!

والآفة الأبرز، هي محاولات بعض وسائل الإعلام الرسميّ وغير الرسميّ تلميع صورة القوى المالكة للمال والسلطة، ومحاولة التهوين من عظم الخراب المستشري!

أمّا الآفة الأكبر، فهي استمرار استهداف صغار الموظّفين في أكذوبة مكافحة الفساد الماليّ والإداريّ، وفي ذات الوقت التغافل عن حيتان الفساد، وكأنّ الكبار يحقّ لهم ما لا يحقّ لغيرهم، أو كأنّ لكلّ طبقة من طبقات المجتمع قانوناً خاصّاً بها، ومن هنا تشخص أمامنا حقيقة أنّ العلاجات الترقيعيّة لا يمكن أن تنهي آفات الفساد.

الآفة الأعظم في العراق هي تزوير التاريخ والتطبيل للخطأ، والوقوف مع كفّة الغرباء ضدّ الوطن ومصالحه التي لم نجد من يحقّقها لبلاد تأن من آفات سياسيّة واقتصاديّة واجتماعيّة لا حصر لها!

علاج تلك الآفات يكون بالعمل الجادّ والمستمرّ وحملة إصلاحيّة وطنيّة شاملة، وليس بالتصريحات التي لا تجدي نفعاً ولا تغيّر منكراً!