مضى 15 عاما على إسقاط قوات التحالف الدولي، الذي تقوده الولايات المتحدة الأمريكية، في التاسع من نيسان/أبريل 2003، نظام الرئيس العراقي، صدام حسين، الذي حكم العراق أربعة وعشرين عام.

لكن شيئا فشيئا، تبددت فرحـة تغيير نظام حزب البعث، في ظل “النظام الديمقراطي الجديد”، حتى بدأت المدن الشيعية، التي كانت الأكثر تضررا من نظام صدام، تتمنى لو أن التغيير لم يحدث أصلا.

يتذكر العراقيون شعارات السياسيين، خاصة المعارضين، عقب سيطرة القوات الأمريكية على البلاد، بعد التاسع من نيسان/أبريل 2003، وفي مقدمتها تعهدت ببناء دولة يحكمها القانون والدستور.

كما تعهدوا بوطن يتساوى فيه الجميع في الحقوق والواجبات، وبثروات تنتقل بالبلد العربي إلى مستوى الدول المتطورة، وهي شعارات ما يزال يرددها حتى الآن السياسيون أنفسهم قبل انتخابات برلمانية، مقررة في الثاني عشر من أيار/مايو المقبل.

بعد ثلاث سنوات من إسقاط صدام، تم تنظيم أول انتخابات، وتولى السياسي، نوري المالكي، رئاسة الحكومة لولايتين (2006-2014)، ثم خلفه رئيس الوزراء الحالي، حيدر العبادي.

فوضى شاملة

عُرف نظام صدام (1979- 2003) بصرامته، ليس فقط تجاه معارضيه، بل حتى تجاه المقربين منه، ويتردد أنه حُكم على وزير الصحة، رياض إبراهيم الحج حسين، عام 1982، بالإعدام رميا بالرصاص، لموافقته على استيراد أدوية تسببت بوفاة جرحى في الحرب العراقية- الإيرانية (1980-1988).

اليوم، وبعد مرور 15 عاما على تغيير النظام، الذي يصفه المعارضون بالقمعي والديكتاتوري، يقول عراقيون إنهم استبدلوا ألف دكتاتور بدكتاتور واحد.

محمد مجيد، وهو مهندس في جامعة بغداد، قال: “نحن اليوم لا نقارن الوضع الحالي مع صدام كشخص، ولكن نقارنه مع النظام الذي كان سائدا آنذاك، سواء من ناحية الخدمات وتنفيذ المشاريع، والفساد المالي والإداري، الاستقرار الأمني والمجتمعي”.

 

وأضاف مجيد: “سابقا لم نكن نعرف المناطق في العراق على أساس طائفي، بل كان الجميع يعيش في بلد واحد اسمه العراق، وبعد التغيير دخلت لنا مشاريع التقسيم، وتبناها الساسة الجدد، إلى أن أوصلونا إلى الحرب الطائفية، التي قتل بسببها الآلاف، وأحدثت شرخاً بين شرائح المجتمع”.

وفي قلب المناطق الشيعية جنوبي العراق، والأكثر عداءً للنظام السابق، هتف العشرات، في مظاهرات خرجت على مدى الأشهر الماضية، مؤيدين لنظام صدام، بسبب ما وصفوه باستشراء الفساد بكل أشكاله في حكم الأحزاب الحالية.

حروب داخلية

في ظل “النظام الديمقراطي الجديد” هدأت آلة الحرب في العراق لثلاث سنوات فقط، ثم اندلعت حرب طائفية، عام 2006، لم يعتد عليها العراقيون، وقتل خلالها الآلاف وعُزلت المناطق طائفيا، ومُزق النسيج الاجتماعي.

بعدها اندلعت حرب ضد تنظيم القاعدة، وما إن انتهىت حتى بدأت حرب أكثر دموية ضد تنظيم “داعش” استمرت ثلاث سنوات، حتى تمت، في كانون الأول/ديسمبر 2017، استعادة ثلث مساحة العراق، التي سيطر عليها التنظيم، منذ عام 2014.

وقال خليل النعيمي، وهو ضابط متقاعد في الجيش العراقي السابق، إن “الحرب في زمن النظام السابق كانت تجرى على الجبهات، ولا تشعر بها المدن، باستثناء القصف الصاروخي للقواعد العسكرية، أما بعد عام 2006 فدخلت الحروب المدن”.

وأردف النعيمي، أن “الحروب الداخلية هي مؤشر على فشل القادة في إدارة البلاد، فمثلا بالنسبة لدخول داعش العراق وسيطرته على ثلث مساحة البلاد يلقون باللوم على سيطرة الإرهابيين على مناطق حدودية واسعة في (الجارة) سوريا، وهذا تبرير لا يتوافق مع القواعد العسكرية”.

 

وتساءل مستنكرا: “لماذا لم يسيطر داعش مثلا على ثلث مساحة تركيا أو إيران (؟!).. الجواب هو أن تلك البلدان لديها سياسة أمنية وعسكرية واضحة، والفساد لم يتخلخل داخل المؤسسة العسكرية”.

ومضى قائلا: “بينما في السنوات الأخيرة تم في العراق بناء منظومة عسكرية على أسس طائفية، ونتاج البناء الخاطئ هو انهيار سريع أمام بضعة مئات من الإرهابيين (داعش في صيف 2014)”.

وتابع النعيمي: “خلفت حرب داعش آلاف القتلى وملايين النازحين داخل البلاد وآلاف المهجرين خارجها، وبنى تحتية مدمرة، وكل ذلك بسبب سوء إدارة البلاد من جانب الأحزاب التي حكمت بدلاً من النظام السابق، ومن البديهي عند المقارنة قبل وبعد التغيير (إسقاط نظام صدام) سيكون الوضع العراقي في زمن النظام السابق أفضل من الآن”.

 

فشل السلطة والمعارضة

فيما تساءل أستاذ العلوم السياسية في جامعة الكوفة (جنوب)، أياد العنبر، عن سبب استحضار البعض “نظام صدام الدكتاتوري” لمقارنته بالنظام السياسي (الديمقراطي) بعد 2003.

وقال العنبر: “رغم عظمة الحدث وسقوط نظام دكتاتوري وحشي، إلا أن العراقيين ما يزالون يعيشون في الماضي، والسبب هو أن فشل الأحزاب والقوى السياسية جعل العراقيين يدورون في فلك المقارنة بالماضي”.

وأردف: “لعلّ عقلية المعارضة، التي يفضحها الخطاب السياسي لأحزاب السلطة، هي العامل الأكثر تأثيرا في الوعي الجماهيري، والسلطة انعكاس للمجتمع”.

وأضاف العنبر أن “أحزاب السلطة لم تقدم سوى خطاب ماضوي مأزوم يستحضر دائما الخلافات والنزاعات الطائفية والعنصرية البغيضة”.

وشدد على أنه “عندما تعجز الأحزاب والقوى السياسية عن تقديم خطاب سياسي قائم على أساس رؤية لبناء دولة-أمة مزقتها الأنظمة الشمولية، فبالتأكيد استحضار الماضي في مقارنة الحاضر يكون فاعلا في تفكير المجتمع، وحافزا له من أجل الأفضل”.