العراق / بغداد / وطننا /

عمر ستار

رفع البرلمان العراقيّ التجميد عن مجلس المفوضيّة العليا للانتخابات في 10 تشرين الثاني/نوفمبر الجاري، وذلك بعد أكثر من أسبوعين على الموعد الذي كان مفترضاً لإجراء انتخابات مجالس المحافظات، الأمر الذي أعاد مصير هذه المجالس إلى واجهة النقاش مرّة أخرى.

وكان البرلمان قد شكّل لجنة للتحقيق في شبهات تزوير صاحبت الانتخابات العامّة في 12 أيّار/مايو الماضي، الأمر الذي تطلّب تجميد عمل مفوضيّة الانتخابات ووضعها تحت وصاية القضاء. كما أنّ أسباباً كثيرة أدّت إلى تأجيل الانتخابات المحليّة (المحافظات) التي كانت مقرّرة في 22 تشرين الأوّل/أكتوبر الماضي، منها ما أشار إليه رئيس المفوضيّة معن الهيتاوي، الذي أكّد أنّ “المفوضيّة تحتاج إلى مدّة نتيجة ما حدث في الانتخابات النيابيّة، وكذلك إصدار بطاقات جديدة للناخبين وشراء أجهزة جديدة احترقت في مخازن المفوضيّة في جانب الرصافة من العاصمة الاتحاديّة بغداد”.

لكنّ التأجيل الحاصل لم يتمّ بصفة رسميّة وبقرار من البرلمان، كما لم يحدّد موعد آخر للانتخابات حتّى الآن، رغم أنّ مجالس المحافظات الحاليّة انتهت دورتها القانونيّة (4 سنوات) في حزيران/يونيو من عام 2017. وبالتّالي، فإنّ التمديد لعمل المجالس المحليّة هو غير دستوريّ ولا تمتلك السلطات التشريعيّة أيّ مخرج يستند إلى الدستور العراقيّ لتقنين عمل هذه المجالس، لكنّها في صدد تعديل قانون الانتخابات لتحديد موعد جديد للانتخابات بعد فترة تمديد استمرّت أكثر من عام.

وفي هذا الإطار، أعلنت المفوضيّة العليا للانتخابات في 13 تشرين الثاني/نوفمبر الجاري، أنّ رئيس الوزراء عادل عبد المهدي أبدى استعداداً للتعاون وتوفير ما يلزم من أجل إنجاح انتخابات مجالس المحافظات المقبلة، والتشاور لتحديد الموعد الجديد، فيما أعلنت رئاسة البرلمان أنّها تسلّمت طلباً من 52 نائباً لتعديل قانون انتخابات مجالس المحافظات وتعيين موعدها الجديد.

وأوضح المتحدّث باسم المفوضيّة كريم التميمي أنّ “المفوضيّة بدأت بالفعل بمناقشة آليّات إصدار بطاقة الناخب وتوزيعها وتحديث سجلاّت الناخبين، استعداداً لانتخابات مجالس المحافظات”، مشيراً إلى أنّ “اللجان والدوائر المختصّة قدّمت خططها الخاصّة بالانتخابات”.

وعن الموعد المتوقّع للانتخابات، قال كريم التميمي: “إنّ المفوضيّة على تواصل مع اللجان المختصّة في البرلمان للاتفاق على الموعد الجديد في ضوء قانون الانتخابات الذي سيصدر عن البرلمان خلال الفترة المقبلة”.

وبحسب ما قاله النائب عن “تحالف النصر” منصور المرعيد : “هناك إمكانيّة لتحديد موعد الانتخابات المحليّة خلال الأشهر الـ6 المقبلة، وذلك من أجل منح مفوضيّة الانتخابات المهلة التي تحتاج إليها للاستعداد الفنيّ واللوجستيّ وتنظيم الانتخابات بصورة ناجحة”.

أضاف: “مجلس النوّاب سيناقش تعديل القانون الانتخابيّ بهدف الاتفاق على موعد الانتخابات الجديد بالاعتماد على رأي المفوضيّة العليا للانتخابات، بعد أن عادت إلى ممارسة عملها بصورة طبيعيّة، وهي في انتظار مخصّصاتها من الموازنة العامّة لسنة 2019”.

من جهته، أكّد النائب عن “الحزب الديمقراطيّ الكردستانيّ” هندرين دوسكي في تصريح لوكالة “الراي” بـ12 تشرين الثاني/نوفمبر الجاري أنّ أعضاء مجلس النوّاب بغالبيّتهم متّفقون على مقترح إلغاء مجالس المحافظات، وعازمون على التحرّك لتطبيقه، مشيراً إلى أنّ ما يعيق إلغاء هذه المجالس هو عدم وجود إجماع على تطبيق هذا القرار”، وقال: “إنّ هذا المقترح ستتمّ مناقشته في جلسات مجلس النوّاب المقبلة لاتّخاذ القرار النهائيّ حوله”.

ولفت إلى أنّ “الحكومة ملزمة بتنفيذ هذا المقترح والأخذ به إذا تمّت الموافقة عليه بالاجماع من قبل مجلس النوّاب”.

ولا تبدو فكرة إلغاء مجالس المحافظات واقعيّة في الوقت الراهن، كونها مجالس “دستوريّة” أوجب الدستور العراقيّ النافذ لسنة 2005 قيامها، ومهمّة تعديل هذا الدستور تبدو مستحيلة بسبب الخلافات الكبيرة حول موادّه بمعظمها، وخصوصاً حول الموادّ المتعلّقة بالمناطق المتنازع عليها بين بغداد وإقليم كردستان، إضافة إلى آليّات تعديله المعقّدة وعدم وجود رغبة سياسيّة في إثارة المزيد من النزاعات حاليّاً، التي قد ترافق مباحثات التعديل.

ومع ذلك، فإنّ البرلمان، بالتزامن مع مطالبات خفض نفقات الدولة ومعالجة “الترهّل” المزمن في المؤسّسات العامّة، استطاع في التعديل الأخير لقانون “المحافظات غير المنتظمة في إقليم” إلغاء “مجالس الأقضية والنواحي” في أيّار/مايو الماضي وتقليص عدد أعضاء مجالس المحافظات بشكل كبير، كاعتراف ضمنيّ بفشل هذه المجالس في تحقيق فكرة اللامركزيّة التي نصّ عليها الدستور، وعدم قدرتها على إنجاز التنمية المنتظرة منها في شتّى المجالات وتعارض صلاحيّاتها مع السلطات الاتحاديّة بصورة مربكة للطرفين، وربّما يعود ذلك إلى حداثة التجربة الإداريّة في البلاد، التي لم تكن موجودة بهذا الشكل قبل عام 2003، وأيضاً إلى كثرة الأزمات السياسيّة والأمنيّة التي يمرّ بها النظام العراقيّ عموماً منذ ذلك التاريخ. وقد يكون الحلّ الأنسب لهذه الأزمة إجراء تعديل جزئيّ للدستور يشمل إلغاء مجالس المحافظات فقط، على أن يكون انتخاب المحافظين بصورة مباشرة من قبل المواطنين، وترك بقيّة الموادّ الخلافيّة إلى تعديل لاحق قد يشمل أيضاً إعادة تلك المجالس إذا ما فشلت تجربة الإلغاء التي تطالب بها حاليّاً الأطراف السياسيّة بغالبيّتها داخل البرلمان وخارجه.