يقول سياسيون عراقيون إن حركة الاحتجاجات التي تشهدها البلاد ضد الفساد وسوء الخدمات، تعصف بمستقبل المفاوضات السياسية المتعلقة بتشكيل الحكومة الجديدة، فيما أكدوا تعثر التواصل بين مختلف الأطراف خلال الأيام القليلة الماضية.

وتستمر الاحتجاجات في العراق للأسبوع الثالث على التوالي، فيما تراوحت سقوف مطالبها بين تقديم الخدمات للسكان، وإسقاط النظام السياسي.

ويقول ساسة عراقيون، إن “مفاوضات تشكيل الحكومة الجديدة شبه معطلة، بسبب ضغط الاحتجاجات، وعدم وضوح الرؤية لدى الأطراف السياسية المشاركة فيها”.

وتتردد قائمة “سائرون” التي يرعاها رجل الدين الشيعي مقتدى الصدر، وفازت بالمركز الأول في الانتخابات، بين مواصلة مشاوراتها السياسية مع الأطراف المختلفة، أو اللحاق بركب الاحتجاج.

وتشكلت هذه القائمة في الأساس من قوى دينية وعلمانية نظمت احتجاجات واسعة ضد الفساد وسوء الإدارة منذ العام 2015.

وتقول مصادر سياسية إن قادة “سائرون” مترددون بين مواصلة الانخراط في نشاط التفاوض السياسي لتشكيل الحكومة الجديدة استجابة للاستحقاق الانتخابي، وبين النزول إلى الشارع والمشاركة في التظاهرات.

وحتى الآن، بدا أن حركة الاحتجاج قادرة على الصمود في وجه ما وصف بـ”القمع الحكومي”، والتضييق على حركة النشطاء، وتقييد حركة وسائل الإعلام وإيقاف خدمات الإنترنت في عموم البلاد.

وتقول المصادر إن قائمة “سائرون” تخشى أن تؤدي الاحتجاجات فعلا إلى تطورات سياسية استثنائية، تجمد العمل بنتائج الانتخابات، كتشكيل حكومة طوارئ لتلبية طلبات المتظاهرين، على سبيل المثال.

لكن “سائرون” تخشى أيضا أن تضيع فرصة فوزها في الانتخابات، التي تسمح لها بلعب دور مؤثر في تشكيل الحكومة الجديدة.

وتقول المصادر إن “ارتباك سائرون ينعكس على المشهد السياسي بشكل عام، ويعيق تطور أي مفاوضات سياسية”.

في موازاة ذلك، يعاني رئيس الوزراء حيدر العبادي، الذي يتزعم قائمة “النصر”، الفائزة بالمركز الثاني في الانتخابات، من عدم القدرة على التفرغ لمفاوضات تشكيل الحكومة، التي ينتظر أن تحسم مستقبله السياسي، وتحدد ما إذا كان سيحصل على ولاية ثانية، بسبب انشغاله بمتابعة تطورات حركة الاحتجاج.

وتقول مصادر حكومية إن العبادي يسهم في تعميق حالة “نقص التواصل السياسي” بين الأطراف الفائزة في الانتخابات، بسبب قضائه وقتا طويلا في الغرفة الخاصة التي تشكلت للتعامل مع التظاهرات.

وتؤكد المصادر أن العبادي لم يحضر جلسة تفاوض سياسي منذ ما يزيد على الأسبوع، بسبب حاجته إلى التنقل المستمر بين المدن العراقية، وتفرغه التام لمتابعة التظاهرات.

وبالرغم من أنه المرشح العلني الوحيد لترؤس الحكومة الجديدة في ظل إحجام الأطراف الأخرى عن كشف مرشحيها بسبب الحالة الضبابية التي تسود المشهد السياسي في العراق، إلا أن فرص العبادي في الولاية الثانية تتضاءل بسبب الارتباك الذي اعترى أداء حكومته مع حركة الاحتجاج، وتورط أجهزتها الأمنية في حالات قمع طالت المتظاهرين.

لكن مقربين من العبادي يقولون إن رئيس الوزراء يراهن على نجاحه في احتواء حركة الاحتجاج بأقل الخسائر، لتحسين وضعه التفاوضي على أمل تجديد ولايته، مع افتقار الأطراف الأخرى الفائزة في الانتخابات لمرشحين بارزين.

ووفقا لذلك، يرجح مراقبون تأخر الإعلان عن الكابينة الوزارية الجديدة حتى نهاية العام الجاري.

وفاجأت حركة الاحتجاج الأطراف السياسية بطريقة لم يتوقعها أحد. وإذا ما كانت تلك الأطراف قد وقعت في حيرة من أمرها بسبب فوز كتلة (سائرون) التي نأت بنفسها عن مبدأ المحاصصة الحزبية فإن الاحتجاجات جاءت لتقضي على آخر أمل على مستوى تشكيل تحالف، يكون في إمكانه عزل الكتلة التي يتزعمها مقتدى الصدر واستبعادها من الحكومة إلى المعارضة.

ويقول مراقبون إن المحتجين وضعوا جميع الأطراف في سلة واحدة ملوحين بالرغبة في التخلص من العملية السياسية برمتها وهو ما دفع بالصدر وقائمته إلى التردد في تبني الاحتجاجات، غير مستبعدين أن يدفع ذلك أطرافا خسرت الكثير من شعبيتها كالكتلة التي يتزعمها رئيس الوزراء السابق نوري المالكي إلى القبول بما يطرحه الصدر، في محاولة لصنع نوع من التماسك الحزبي في مواجهة الاحتجاجات.

ويشير مراقب سياسي عراقي إلى أن حكومة العبادي المنتهية صلاحياتها ليست وحدها مهددة بالسقوط بل إن الخطر صار يهدد جميع الأطراف المساهمة في العملية السياسية التي يعتقد المحتجون أنها قادت إلى تأسيس نظام قائم على الفساد يعبر عن نفسه من خلال تبادل المصالح بين الكتل السياسية وتمرير الصفقات وتقاسم الغنائم.

ويؤكد المراقب في تصريح لـ”العرب” أن الأطراف كلها باتت على يقين من أنها مستهدفة، ولذلك لم يلق أي طرف منها باللائمة على الأطراف الأخرى، كونها كانت سببا في ما وصلت إليه الأوضاع الاقتصادية من احتقان قاد إلى انفجار الشارع، محذرا من أن الحكومة التي أظهرت عجزها عن تلبية مطالب المحتجين الخدمية بسبب نقص الأموال قد تستغل ارتفاع سقف المطالبات وتلجأ إلى العنف المفرط وهو ما يمكن أن يحظى بموافقة الأحزاب التي وجدت نفسها معزولة عن الشعب وغير قادرة على استرضائه عن طريق الوعود أو الفتاوى الدينية.