عُقد في العاصمة الأمريكية واشنطن على مدى يومي الثلاثاء والأربعاء الماضيين، مؤتمر شارك فيه قضاة ومسؤولون في أجهزة إنفاذ القانون، ودبلوماسيون من دول مختلفة “بهدف تعزيز تنسيق جهود محاربة تنظيم الدولة”.

ووفقا لمنسق الدبلوماسية الأمريكية لمحاربة الإرهاب، ناثان سيلز فإن “المعركة لم تنته على الإطلاق، إنها مجرد مرحلة جديدة، نحن ننتقل من جهد عسكري بالدرجة الأولى إلى جهود مدنية وقمعية متزايدة”.

ووصف المسؤول الأمريكي في تصريحات صحفية واقع التنظيم بعد سقوط “خلافته” بقوله إنه “مع تحقيقنا الانتصار تلو الآخر على تنظيم الدولة في ميدان المعركة فإن التنظيم يتأقلم مع انتصاراتنا”.

ولفت ناثان نظر المجتمع الدولي “إلى أن سقوط ما يسمى دولة الخلافة في العراق وسوريا لا يعني أن تنظيم الدولة لم تعد لديه سلطة بل على العكس من ذلك”.

وأضاف “أعتقد أن ما نراه هو أن تنظيم الدولة يصبح لا مركزيا على نحو متزايد.. إنه آخذ في التطور والتكيف”.

تكشف تصريحات المسؤول الأمريكي عن أن الولايات المتحدة الأمريكية ما زالت تعتبر تنظيم الدولة خطرا يجب محاربته والتصدي له، فهل واقع التنظيم كذلك بعد خسائره الفادحة في العراق وسوريا؟ وهل التنظيم قادر على التكيف مع هزيمته وإعادة تشكيل نفسه من جديد؟ ولماذا تصر أمريكا على اعتباره كذلك بعد تفكيك (دولته)، وطرده من المناطق الشاسعة التي كان يبسط نفوذه عليها؟.

بعد طرده من معاقله في كل من العراق وسوريا، فإن “التنظيم يتكيف بالفعل على عدة محاور” بحسب الكاتب الصحفي المصري المتخصص في الجماعات والحركات الإسلامية، صلاح الدين حسن.

وأوضح حسن ” أن “التنظيم من الناحية العسكرية عاد مجددا للانحياز إلى الصحاري كمنطلق لشن الهجمات والعمل على تقوية فروعه في الخارج بعد أن ترك المدن أكواما من التراب”.

وتابع “أما من الناحية الفكرية فقد بدأ بتأهيل عناصره لتقبل المرحلة الجديدة بدعوى أن الأرض ليست هدفا له، مسوقا مقولات تزعم أن الأرض ليست عنصرا أساسيا في إقامة الدولة، بل ذلك ما تعرف به الدولة الحديثة، التي لا تتفق مع معنى الدولة في الإسلام”.

ولفت حسن إلى أن “التنظيم يستخدم هنا خبراته الواقعية السابقة، فعندما توجه لإقامة دولته على يد (أبو عمر البغدادي وأبو حمزة المهاجر) تحدث عن ضرورة السيطرة على الأرض، وعندما خسروا تلك الأرض بفعل هجمات الجيش الأمريكي، وميليشيات الصحوات تحدث المهاجر في رسالة له عن الفكرة ذاتها، وهي أن دولة الإسلام لا تشترط وجود الأرض، وأن النبي عليه الصلاة والسلام لم يكن يأمن على نفسه وصحابته في المدينة”.

بدوره رأى الباحث العراقي في شؤون الجماعات المسلحة، هشام الهاشمي أن “تنظيم الدولة في عام 2018 هو عقيدة عسكرية مندحرة تبحث عن فرصة للثأر، وهو مختلف عما كان عليه ما بين 2014ــ 2017”.

وأشار الهاشمي إلى أن عدم “تدخل طائرات التحالف الدولي ساعة احتلال التنظيم لمدن الفلوجة والموصل والرقة ودير الزور” أطال في عمر التنظيم، ولو أنها فعلت ذلك حينذاك لربما انهارت “دولته” سريعا.

وأضاف “: “إعلان النصر على التنظيم بعد ثلاث سنوات، دون وجود خطة معلوماتية وإستخباراتية يمكن تنفيذها فيما سيأتي لن يكون له نفس النتائج المرجوة من تمكين الاستقرار والاندماج المجتمعي”.

ولفت الهاشمي إلى أن “التنظيم يسعى من وراء تنفيذ عمليات إرهابية محدودة إلى إيصال رسائل، مفادها أنه ما زال يملك القدرة الكافية لتهديد أوروبا ودول شمال أفريقيا”.

واعتبر الباحث العراقي في شؤون الجماعات المسلحة “هزيمة التنظيم في سوريا والعراق وليبيا بأنها قد لا تكون كافية لإعلان هزيمته في 35 فرعا عالميا تؤمن بأيدلوجيته”.

 

وجوابا عن سؤال حول مقدرة التنظيم على التكيف مع ظروف هزيمته، بيَّن الهاشمي أن “التنظيم نجح خلال ثلاث سنوات في تطوير عناصره باعتبارها مفارز قتالية مستقلة، ولكل واحدة منها تمركز في موقع معين، ومدربة على الأسلحة والإمدادات والتقنيات والخبرات القادرة على العمل باستمرار في مختلف الأحوال، بشكل مستقل عن القيادة والتحكم المركزي”.

بدوره وصف الكاتب والباحث الفلسطيني في شؤون الحركات الجهادية، أحمد أبو فرحة “التنظيم حاليا بأنه عبارة عن مجموعات متفرقة منتشرة حول العالم، في تجمعات وبقع صغيرة غالب الظن أنها مجموعات مخترقة إستخبارايتا” على حد وصفه.

وأشار أبو فرحة في حديثه  إلى أن “وجود التنظيم في سيناء وحربه ضد حماس يثير كثيرا من الشكوك، كذلك وجوده في أفغانستان وحربه ضد طالبان يثير الشكوك أيضا، وفي ليبيا لا يبعد الأمر عن ذلك”.

ورأى الباحث الفلسطيني أن “أمريكا تستخدم التنظيم كذريعة لممارسة سياساتها (القذرة) ضد العالم الإسلامي، تماما كما تستخدم حجة الإرهاب في محاربة الإسلاميين في كل العالم”.

وختم حديثه بقوله: “تنظيم الدولة كقوة ضاربة مؤثرة انتهى إلى غير رجعة، وهو اليوم مجرد مجموعات منتشرة هنا وهناك، أغلب الظن أنها مخترقة إستخباراتيا يسهل توجيهها وتوظيفها”.