العراق / بغداد / وطننا /

مصطفى سعدون /

من المتوقّع أن يلعب العراق بصفته الرسميّة (ليس الفصائل المسلّحة) دوراً في الملفّ السوريّ، بعد التطوّرات الأخيرة التي عاشتها دمشق في التقارب من جديد مع دول أخرى على مستوى العلاقات الدبلوماسيّة. ويعمل العراق على لعب هذا الدور، خصوصاً في مرحلة الاستقرار المتوقّع أن تشهدها سوريا وإعادة افتتاح بعض الدول سفاراتها في دمشق.

وفي 31 كانون الأوّل/ديسمبر الماضي،تحدّثرئيس الحكومة العراقيّة عادل عبد المهدي عن زيارات قامت بها مجموعة من المسؤولين العراقيّين إلى دمشق، وكان يقصد زيارات أخرى غير التي قام بها مستشار الأمن الوطنيّ رئيس هيئة الحشد الشعبيّ فالح الفيّاض في الشهر الماضي.

الخبرة العراقيّة في مجال مكافحة الإرهاب ومحاربة التنظيمات المتطرّفة ستحتاجها سوريا خلال الفترة المقبلة، إضافة إلى تأمين الحدود بين البلدين والعمليّات العسكريّة الجوّيّة التي تنفّذها الطائرات العراقيّة داخل الأراضي السوريّة ضدّ تنظيم “داعش”.

لم يكن للدولة العراقيّة تواجد عسكريّ رسميّ خلال فترات النزاع داخل سوريا، بل اقتصر الأمر على فصائل مسلّحة تتبع أحزاباً سياسيّة عراقيّة مقرّبة من إيران، وهو ما اعتبره رئيس الحكومة العراقيّة السابق حيدر العبادي “موقفاً لا يمثّل الدولة العراقيّة”، لكن اليوم هناك مؤشّرات إلى دور “كبير” سيلعبه العراق في هذا الملفّ.

لمّح عبد المهدي في تصريحاته إلى دور جديد من الممكن أن تلعبه الحكومة العراقيّة في الملفّ السوريّ، خصوصاً أنّه أكّد استعداد قوّاته للدخول إلى سوريا وسدّ الفراغ الذي ستخلّفه القوّات الأميركيّة المقرّر انسحابها من الأراضي السوريّة قريباً. وقال في 31 كانون الأوّل/ديسمبر الماضي إنّه “في حال انسحاب قوّات الولايات المتّحدة الأميركيّة من سوريا، فإنّ العراق على استعداد كامل للتعاون مع القوّات الأمنيّة الأخرى المرتبطة بالملفّ السوريّ”.

وخلال زيارة رئيس جمهوريّة العراق برهم صالح إلى تركيا في 3 كانون الثاني/يناير الحاليّ، كان الملفّ السوريّ وتأمين الحدود بين البلدين أحد أبرز الملفّات التي ناقشها مع نظيره التركيّ رجب طيّب أردوغان، في وقت كان مجلس الأمن الوطنيّ (أعلى مجلس أمنيّ في العراق)، يبحث تداعيات الانسحاب الأميركيّ من سوريا، وقد بحث هذا الملفّ مرّتين في أقلّ من 10 أيّام.

وكثّف المسؤولون العراقيّون تصريحاتهم ومواقفهم تجاه دعم الملفّ السوريّ. ففي 2 كانون الثاني/يناير، أعلن وزير الخارجيّة العراقيّ محمّد علي الحكيم عن دعم العراق عودة سوريا إلى مقعدها في جامعة الدول العربيّة، وقبله بأيّام، أكّد المتحدّث باسم رئيس جمهوريّة العراق لقمان الفيلي عن دعم عراقيّ لإنهاء الأزمة السوريّة بالطرق السلميّة.

وتؤكّد مصادر في مكتب رئيس الحكومة عبد المهدي ما تحدّثت عنه تقارير إعلاميّة حول وجود تخويل سوريّ للطيران العراقيّ بقصف مواقع “داعش” في سوريا من دون العودة إلى دمشق، وتقول المصادر ان : “الرئيس السوريّ بشّار الأسد خوّل الطيران العراقيّ القيام بهذه العمليّات، وربّما تكون في الأيّام المقبلة مشاركة برّيّة لقوّاتنا داخل الأراضي السوريّة”.

وما يثبت ما تحدّثت به مصادر ، تصريح رئيس الحكومة عبد المهدي عن تقارير بتواجد قوّات برّيّة عراقيّة في سوريا عندما قال: “مثل هذه الاحتمالات قد تكون واردة”.

قال أستاذ العلوم السياسيّة في جامعة النهرين في بغداد ياسين البكري : “إنّ الدور الأمنيّ العراقيّ في سوريا يستند إلى مخاوف عراقيّة من تمدّد جديد لـ”داعش” أو القوى الإرهابيّة، ولا ينبع من مكانة وقدرات عراقيّة، بمعنى دفاعيّ محض، وفي شكل أساسيّ يعتمد على القوّة الجوّيّة، أمّا الضربات البرّيّة، فهي في شكل خاطف تتوغّل وتضرب وتعود إلى مراكزها داخل الحدود العراقيّة”.

ويعتقد ياسين أنّ الطلب الأميركيّ لتوغّل القوّات العراقيّة داخل الأراضي السوريّة نابع من مخاوف من أن يملأ الفراغ بعض الفصائل العراقيّة المرتبطة بإيران، وهو ما لا ترغب فيه أميركا.

إنّ القوّات البرّيّة العراقيّة على الحدود مع سوريا تقصف بين حين وآخر مقرّات تنظيم “داعش” في سوريا، وكذلك يستهدف طيران الجوّ العراقيّ في شكل مستمرّ مواقع التنظيم داخل الأراضي السوريّة، ويعلن عن ذلك في وسائل الإعلام وينشر مقاطع فيديو توثّق ضرباته.

ومنذ تشرين الثاني/نوفمبر 2018، لمّحالرئيس العراقيّ برهم صالح إلى الدور العراقيّ الجديد في سوريا عندما استقبل مبعوث الرئيس الروسيّ ميخائيل بوغدانوف، ودعا روسيا إلى تفاهم مشترك في شأن الملفّ السوريّ، وأكّد حينها أنّ العراق لديه سياسة جديدة في شأن هذا الملفّ قائمة على التنسيق والتكامل.

قال الباحث في مركز النهرين للدراسات الاستراتيجيّة هشام الهاشمي : “إنّ دور العراق في الملفّ السوريّ يبقى محدوداً بسبب الوضع الماليّ الذي يمرّ به، فضلاً عن ذلك، فإنّ العراق في حاجة إلى هيكلة قوّاته التي خاضت معارك شرسة وقويّة ضدّ تنظيم “داعش” خلال السنوات الثلاث الماضية”.

ويتوقّع الهاشمي أن يقتصر الدور العراقيّ على القصف الجوّيّ، وهذا ما يعتبره أيضاً بـ”المكلف للعراق بسبب حاجة كلّ طلعة جوّيّة إلى مبالغ كبيرة”.

في المحصّلة، سيلعب العراق دوراً بارزاً في الملفّ السوريّ وفق المستجدّات الأخيرة، ومن المتوقّع أن يكون جهاز مكافحة الإرهاب إحدى أبرز القوى الدوليّة التي ستنزل في الأراضي السوريّة لمحاربة التنظيمات الإرهابيّة هناك، لكن يبقى السؤال عن حجم الدور وسقفه الزمنيّ.