العراق / بغداد / وطننا /
رياض الجنابي
العالم من حولنا ومع كل لحظة تمر, يتجه للتعقيد والانقسام والغموض, وما تجده اليوم سهلا ستراه غدا صعبا وربما يغدو مستحيلا مع الوقت.ورغم التطور العلمي والحداثة والتقدم

التكنولوجي ورغم كل محاولات البشرية لتسهيل الحياة وتحسينها قدر المستطاع وتحقيق الرفاهية ,إلا إننا نجد أن كل شي يخرج عن السيطرة .فحتى تلك التكنولوجيا والحداثة تسهم

ودونما قصد في تعقيد الحياة البشرية أكثر فأكثر.ولكن ومع كل هذه السوداوية والتشاؤم في النظر للواقع .

إلا أن للحياة وجه آخر ومفهوم مختلف وصورة تتجلى فيها البساطة وعدم تحمل العناء واختصار الجهد مع الكلفة والوقت. انه عالم يتجه إليه من يشعر انه يعيش بطبيعة مختلفة عن

غيره ,فهناك من لا ينظر لحالة الخروج عن القاعدة شذوذا وإنما قد يحسبه تميزا بحسب مفهومه وفلسفته.لذلك فهو يعمد للاتجاه لمثل هذا العالم لأنه يتناغم مع توجهاته ويغذي

دوافعه و يلبي طموحاته (المتميزة )كما يحسبها ويمنحه المتعة أحيانا.

إذن فهذا العالم هو عالمه المثالي ولكي أكون دقيقا أكثر فهو عالمه الوحيد الذي لا يستطيع أن يستمر لساعات إذا ما اضطر للخروج منه, كون هذا العالم لا يمكن أن تخسر فيه شيء

أبدا سوى الكلمات..! وحتى هذه الكلمات إذا ما نظرت إليها بإمعان فأنها لن تكون خسارة لو قورنت بالمكاسب التي قد تتحقق وهي تتلى على مسامع الحمقى وإيقونات الجهل

والتخلف والانحطاط الفكري والأخلاقي.

وبعد كل هذا, اعلم أن لا احد يقرأ هذه الأسطر في هذه اللحظة إلا وهو يتوق لان يطلع على ذلك العالم الذي أسهبت في الحديث عنه رغم إدراكي إن الكشف عن حقيقته ستكون

صادمة ومؤلمة أكثر من الألم الذي يعيشه المتلقي بسبب فاتورة الدماء والأموال والعذاب التي دفعها لسنين طوال دون علمه بينما تشيد لغيره مدن ذلك العالم .

حينها ستأتي الإجابة صادمة يا عزيزي عندما أقول انه (عالم الكذب).

فبالكذب تستطيع ان تدعي ما تشاء وتجالس من تشاء وتفعل ما تشاء .بالكذب يمكنك ان تحادث الإله وتدعي انه أوكل إليك ما لم يكن لسواك.بإمكانك أن تكون خليفة الله في أرضه

وبالتالي لك الحق أن تقرر من يعيش ممن يموت .بإمكانك أن تجعل من كل لحظات فشلك نجاحا ومن هزائمك انتصارا.

بالكذب فقط تستطيع أن تحول الدمار الذي أحدثته بسبب فكرك المنحرف وتوجهاتك المريضة إلى مجد وعز وظفر.

وبالكذب وحده أنت قادر أن تجعل عشرات المدن التي أحرقتها وسحقتها واسلت فيها انهارا من الدماء والدموع انجازا تاريخيا ومجدا لم يسبقك احد له.

وبإمكانك أن تدعي شرف الفارس والمجاهد المقاوم الرافض للاحتلال محاولا أن تمحي من ذاكرة الحقيقة انك لست سوى عبدا ذليلا كنت تعدو أمام سرف الدبابات وعجلات المجنزرات

مع المحتل لتهدم بلادك وتقتل علماءها وكفاءاتها.

و تستطيع ان تظهر على أي وسيلة أعلام لتدعي بكل زهو وخيلاء أن بلادك ولما تشهده من نضج سياسي .تخلو من وجود معتقل سياسي .متناسيا انك بالكذب وشهادة الزور جعلته

إرهابيا أو بعثيا أو صداميا أو داعشيا للتخلص منه.

وستجعل لاحقا من دموع الأمهات اللاتي ثكلن والنساء اللاتي رملن والأطفال الذين يتموا والشيوخ الذين قهروا ,دموع فرحا وسرور بنصرك المزعوم .

وبالكذب يمكن أن تخبر الناس بان مهاجمة عجلة تحمل نساءا واطفالا ومحاميا وقتلهم جميعا ليس إلا عملا جنائيا كونهم من طائفة معينة.بينما إطلاق النار في الهواء في منطقة

يسكنها زعيم ميليشيا او حزب سلطوي هو عملا إرهابيا بامتياز.

فالكذب هو أن تسخف قضية اختفاء وتصفية الآلاف من الشباب عن طريق عمليات الاختطاف والإخفاء ألقسري بواسطة ميليشيات إجرامية لتدعي بعدها إن ذلك ليس سوى حملة

فيسبوكية للنيل من انجازك العظيم.

بالكذب تستطيع أن تعزو خلو مستشفيات البلاد من المرضى لنضج الوعي الصحي والاهتمام العالي بصحة الفرد لا لكونها أصبحت مراتع للفساد واقبية للموت والأوبئة,

وتصنع من تلال النفايات ومخلفات المدن لوحات زاهية تعبر عن تلقائية وعفوية العيش الرغيد.

 

بالكذب تستطيع أن تضيف للحياة رونقا وعنفوانا .

وهنا لابد لي أن أتساءل مع كل هذا الانجاز الذي يحققه الكذب .

لماذا لا تعمد الدولة لاستحداث وزارة للكذب عسى ان تلبي فيها طموحات أصنام الكذب, او على الاقل تضيفه لقائمة الفنون التي ازدهرت هي الأخرى بفضله وفضل من سرقنا جميعا

لنحيا راغبين أو مجبرين بعالم كل شيء فيه شيد من كذب وتجعل منه منهاجا يدرس في دولة الكذب….؟