رياض الجنابي

قد لا يختلف اثنان ان منطقة الشرق الاوسط ومنذ اكثر من قرن من الزمن، لم تستطع ان تخرج من حقيقة كونها ليست الا رقعة شطرنج، يلتقي عليها اللاعبون الكبار والمقامرون لتحقيق مكاسب اممهم وحماية مصالحها وتعزيز نفوذهم وسطوتهم على مقدرات شعوب هذه المنطقة . الا ان هذا الواقع شهد خللا ملحوظا في طبيعة الصراع بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية رغم بقاء رقعة الشطرنج محتفظة بنفس قوانين وادوات اللعبة ، فبدلا من وجود ندين يتقابلان عند طرفي الرقعة كما عهدنا، اصبح هناك طرفا واحد يدير اللعب فيها هو اميركا التي ستكون بمثابة ((الديب بلو )) ، ومن يتصور انه دخلها لاعبا اكتشف لاحقا انه لم يكن سوى احد بيادقها وانه استدرج اليها عمدا وانه سيشهد سقوطه عاجلا ام آجلا ، لان من يصنع اللعبة ويضع قوانينها وينصب نفسه حكما فيها، لا يمكن ان يخسرها تحت اي ظرف من الظروف، اذن فاللعبة هي النظام العالمي الجديد الذي شهده العالم بعد تلك الحرب، وكم من رقعة شطرنج في هذا العالم…!! سليماني بكل الزخم الدي اعطي له والهالة الاعلامية التي احيط بها، يبقى اولا واخيرا ليس سوى واجهة تختزل بها سياسة ونفوذ دولة مارقة ليس لها من اسم الدولة سوى عناصرها المادية ،اما عناصرها المعنوية فهي مغيبة تماما خلف حلم او هاجس الامبراطورية الفارسية بكل طموحاتها الانتهازية وميولها الخبيثة. كثيرا ما اتساءل ما الذي يدفع سليماني ليخوض هذه المغامرة. وهل كان غاري كاسباروف مصدر الهام له في يوم من الايام …؟ بل اكاد اجزم انه قد حفظ له كتاب كيف تتعلم الشطرنج حرفا حرفا ،ولم يفوت فرصة ان يقرأ كتاب كاسباروف الاخير ((التفكير العميق)) ليمنحه زخما اضافيا في ادامة الصراع .الصراع الذي لم يخسره كاسباروف على امتداد قرابة العشرين عاما .الا ان لا انتصار يدوم الى الابد ، فهذا المنتصر قرابة العقدين يشهد نهاية تاريخ انتصاراته امام (الديب بلو). خاتما مسيرته بكتابه الذي يعتبر عصارة مسيرته وثمرة انتصاراته بل وحتى متضمنا لأسباب هزيمته في اخر معركة له على تلك الرقعة .يبدو ان قاسم سليماني كان قد استلهم استراتيجيته في ادامة الصراع والحفاظ على بقاءه حتى نهاية المطاف من قوانين لعبة الشطرنج والاستراتيجية التي تقوم على اساسها اللعبة حتى هزيمة الند وتحقيق النصر، فعناصر الصراع واسلحته وادواته في المعارك ليست متساوية في اهميتها او قيمتها او مستوياتها فالطائرة لا تقارن بدبابة والمدفع لا يقارن بالبندقية فلكل منها دوره ووزنه في الصراع ،وهذا المعيار ينطبق تماما على لعبة الشطرنج التي نجدها متمثلة بالشرق الاوسط. فعندما فتحت الولايات المتحدة الباب على مصراعيه لنفوذ ايران في المنطقة ، حيث سمحت لسليماني ان يوزع الادوار على هذه الرقعة كما يشاء، وبارك الاخير للسنة اختيارهم دور الجنود حيث لا تتجاوز مهمتهم كونهم جدار صد اولي او كباش محرقة او طعم يستدرج به خصومه بل راح يحركهم ويمدهم بالعدة والعتاد عن طريق اذرع خفية دون ان ينتبهوا لذلك ، وبنفس الوقت كان يحيّد الشيعة عن الصراع ويعطيهم دور اكبر ويعدهم ليكونوا قوة لمواجهة مؤجلة اشد وقعا، معززا مواقعهم قدر الامكان ليرسم بهم استراتيجيته التي ستديم النزاع كونهم سيصبحون الوسيلة التي ستحقق النصر في هذه اللعبة وتحفظ حياة الملك (سليماني) الذي لا يتوانى ان يدفع بكل احجاره للمحرقة لأجل تحقيق نصره المؤقت والذي سينتهي دون شك مع نهاية اللعبة التي يخال نفسه يديرها وهو في الحقيقة ليس الا حجرا من احجارها .وبالتالي فان النزاع مهما طال او قصر فان الديب بلو سينتصر لا محالة فمن يمتلك الامكانية على هزيمة كاسباروف لا شك بانها قادر على هزيمة شخص يسير على نفس قواعد لعبته وان التعويل على عامل الوقت ودرء الخطر بالمناورة والمشاغلة لا يعني سلامة الملك الى الابد فلحظة النهاية ستأتي والنار التي كان الملك قد رمى دفاعاته بها لابد ان تأتي عليه وعلى حلمه الازلي وتحرقهم معا لتنتهي اللعبة على هذه الرقعة ويستمر الديب بلو بالبحث عن لاعب جديد يستدرجه لهذه الرقعة او ينقل اللعب لرقعة جديدة.