العراق / بغداد / وطننا

قضية التعيينات، خاصة في مؤسسات الدولة، بطلها لاعب مهم، هو الواسطة، إذ يتصدى لهذه المهمة مجموعة أشخاص، بمختلف المهن والوظائف، كوسطاء بين طالبي التعيين والمسؤولين في الدوائر، ويلقون الطعم لاصطياد المغفلين، وغالباً ما تعود الصنارة بصيد ثمين، غير أن هذه العملية تتخللها مشاكل عديدة، تنتهي بنزاعات عشائرية وربما السجن في الأغلب، كما حدث قبل فترة حينما زجّ القضاء برجل في السجن، وكان قد ذاع صيته في محافظات الفرات الأوسط كوسيط «أمين» للتعيين، يعيد الأموال الى أصحابها في حال فشله بتوفير فرص العمل تلك.

مليار دينار ثمن 15 وظيفة

ومن بين القصص الكثيرة والغريبة عن طرق النصب والاحتيال في ميدان وساطات التعيين قصة نحو 15 عائلة افلتت من كارثة كادت تفقدهم مدخرات حياتهم، جراء “وعد” تعيين كاذب بإحدى الوزارات لـ 15 شخصاً من هذه العائلات، لا يتجاوز مرتب تعيينهم 400 ألف دينار، لكن بثمن وصل الى 50 مليون دينار لكل حالة تعيين، لأن من اعطى الوعد كان ماكراً، واستغل اقبال الشباب نحو العمل بمؤسسات الدولة بأي ثمن، فخطط ونفذ “لعبة” قد يكون الالاف قد وقعوا ضحيتها منذ سنوات، وبأشكال مختلفة. القصة بدأت مع شخص ادّعى أنه يتوسط لتعيين من يرغب العمل كسائق بوزارة الصحة مقابل 3 الاف دولار، يعيدها الى أصحابها إذا لم يحصل التعيين. هذا الطعم وقع فيه 15 شخصاً وقاموا بتسليم المبلغ إليه، لكنه طلب إضافة الى الـثلاثة الاف دولار، تسليمه المستمسكات الشخصية الأصلية وسند أرض لتقديمها كفالة عقارية للتعيين سائقاً في الوزارة.

نصب واحتيال

وحتى هذه اللحظة كانت الأمور تسير على ما يرام، والـ 15 شخصاً لم يكترثوا للمبلغ الذي دفعوه، طالما هناك وعد بإرجاعه اذا لم يحصل التعيين، غير أن ما يجري في الخفاء كان أكبر من هذا، وفق ما كشفه مصدر في الاستخبارات، الذي تحدث لمجلة «الشبكة العراقية» عن هذه القصة إذ قال أن هذا الشخص يقوم برفع الصور من مستمسكات طالبي التعيين، ويضع صورته بدلا عنها، ويبيع قطع الأراضي التي تبلغ قيمة الواحدة منها نحو 50 مليون دينار، ومن ثم يقوم بعد ذلك بإرجاع الـثلاثة الاف دولار بحجة أنه لم يحصل لهم على التعيين، فيما تحولت عقاراتهم الى أموال في جيبه، وباعها من دون علمهم.

انتظار الفرصة

وبحسب مصدر في وزارة العدل الذي كان طرفاً في كشف عملية التزوير وانتحال الصفة لهذا الشخص الذي تمت متابعته والقبض عليه بجرمه، فأن الجهات الأمنية المختصة حينما استمعت الى أقوال الضحايا، أكدت أن المتهم «حسن السيرة والسلوك» وأنه أعاد مبالغ قد تسلمها قبل مدة من مواطنين لم يحصل لهم على تعيين، وهم لا يعلمون أنه خطط «لضربة» تصل الى نحو مليار دينار مستغلا رغبة الشباب بالتعيين، لكن طمعه ادخله السجن وفق المادتين 289 و298 من قانون العقوبات العراقي، وهو الآن خلف القضبان.

حذف واستحذاف

قضية التعيينات في مؤسسات الدولة هي اليوم الشغل الشاغل لقطاعات واسعة من الشباب الخريجين، وغير الخريجين، وقد تحولت الأنظار من مخاوف الرشاوى وهروب المرتشين، الى قلق عدم توفر الدرجات الوظيفية لمستحقيها.

عضو اللجنة القانونية النيابية سليم شوقي أشار الى أن «التعيينات اليوم ليست كما في السابق، فالدرجات المعلن عنها تقتصر فقط على الحذف والاستحداث».

وعبارة «الحذف والاستحداث» تخيف الخريجين أكثر من غيرهم، لأن فرص تعيينهم تعتمد بشكل أساس على فراغ الدرجة الوظيفية إثر تقاعد موظف او ترك الوظيفة لأشخاص تحت ظروف مختلفة.

المتحدث باسم وزارة التعليم العالي حيدر العبودي كشف عن وجود أكثر من 50 ألفاً تخرجوا في الجامعات والمعاهد فقط خلال العام الماضي. وأضاف أن عدد الخريجين خلال الأعوام السابقة يبلغ أضعاف هذا العدد.

وقف التعيين

والسؤال هنا، هل أن الظروف المالية الصعبة هي من أوقفت التعيينات في مؤسسات الدولة، أم أن هناك أسباباً أخرى؟ عضو اللجنة المالية في مجلس النواب سرحان أحمد، أجاب عن هذا السؤال، وقال «من شروط صندوق النقد الدولي الذي منح العراق الأموال، اجراء إصلاحات اقتصادية في البلاد، وزيادة الضرائب على رسوم الكهرباء وتحسين مستوى الرقابة المصرفية لمحاربة الفساد وغسل الأموال، وكذلك تسديد كل المتأخرات المستحقة لشركات النفط الأجنبية العاملة في العراق بنهاية العام».

وأكد أن «من بين الشروط أيضاً، وقف التعيين لمدة ثلاث سنوات مقبلة، باستثناء وزارات الصحة والتعليم والوزارات الأمنية (الداخلية والدفاع)»، مشيراً الى أن «ما تعلنه الوزارات من وظائف يأتي ضمن الدرجات التعويضية (الحذف والاستحداث)».

تحذيرات

المشكلة الكبرى في وقف الابتزاز بعمليات التعيين، هي عدم وجود أشخاص يقومون بالتبليغ عن الوسطاء، مخافة تعرضهم الى المساءلة القانونية، أو أن البعض ينتمي الى ما يشبه العصابات التي تكون «محصّنة» بالمال للهروب من العدالة.

ولغاية اليوم لم يتم الإعلان عن القبض على عصابات كبيرة متخصصة بالتعيينات، وتكتفي الوزارات ودوائر الدولة وخصوصاً الأمنية منها بالتحذير من عدم التورط بدفع أموال الى أشخاص يدعون قدرتهم على ايجاد عمل للشباب، كما تحذر هذه الدوائر من وجود مواقع الكترونية تروج لتسلم معاملات التعيين، غير أن الكثير لا يتعظ، ويسلك طريق المغامرة بأمواله مقابل التعيين.

وظائف للبيع

النائب علي البديري تحدث عن «بيع» درجات وظيفية في السوق السوداء بمبالغ تصل الى 10 الاف دولار. وأضاف «ينشط عمل عصابات التعيين مع قرب كل انتخابات محلية أو برلمانية وتروج للتعيينات كأنها سلعة تجارية». مبيناً «الخريجون لا يجدون فرصة لهم في التعيين بمؤسسات الدولة لوجود مافيات تسيطر على الملف وتتاجر به مقابل مبالغ طائلة، وهذه العملية التي يتعرض لها المواطن البسيط تدخل ضمن قانون النصب والاحتيال»، داعياً الى «تشكيل لجنة خاصة تشرف على ملف التعيينات والاسراع بسن تشريع قانون الخدمة المدنية الذي ينهي بشكل كامل الوساطات في التعيين بمؤسسات الدولة».