إبراهيم الصياد

رغم أن فكرة إنشاء «جيش أوروبي» لم تتحول بعد إلى إجراء على أرض الواقع؛ إلا أنها خفَّفت من وطأة تخلي بريطانيا عن عضوية الاتحاد الأوروبي من ناحية، وكشفت عن مواقف حقيقية لسياسات دول أخرى تجاه ما نسميه «أوروبا القوية» من ناحية أخرى. ومن هذه الدول الولايات المتحدة الأميركية التي سيطر عليها هاجس تمرد الحلفاء الأوروبيين على وصايتها؛ ما جعل الرئيس الفرنسي؛ إيمانويل ماكرون، صاحب المقترح يقول صراحة لنظيره الأميركي دونالد ترامب: «نحن لسنا تابعين لكم». وهي عبارة كاشفة لنيات كل طرف تجاه الآخر. ترامب يرغب في أن تكون له اليد الطولى؛ على الأقل سياسياً وعسكرياً، على الدول الأوروبية والمحافظة على الهيمنة أحادية القطبية في العلاقات السياسية الدولية عموماً. فيما تسعى أوروبا إلى كسر قيد الطوق الأميركي والانتقال إلى مزيد من الاستقلالية في القرار الأوروبي، بعيداً من تأثير الإدارة الأميركية الحالية التي تتسم بالتهور أحياناً والمزاجية أحياناً أخرى، فضلاً عن الانفراد في اتخاذ القرارات التي تمس الأمن والسلم الدوليين.

وفي الوقت نفسه يسعى الجانب الأوروبي إلى تخطي مرحلة القطب الأحادي إلى مرحلة التعددية القطبية. ونلاحظ أن روسيا تميل إلى الموقف الأوروبي أكثر من الموقف الأميركي؛ لأنه يتسق وأهداف سياستها الخارجية الحالية. إن وجود كيان عسكري موحد يمثل درعاً لحماية الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي ويضع حداً لمشكلات تمثل خطراً على أوروبا الموحدة؛ منها الوقوف في وجه النزعات القومية أو الشعبوية متمثلة في ما يطرحه اليمين الفرنسي المتطرف من أفكار عنصرية وفي منافسة زعيمة الجبهة الوطنية الفرنسية ماري لوبان في الانتخابات الرئاسية، ووصول حزب «البديل» إلى البوندستاغ الألماني للمرة الأولى منذ الحرب العالمية الثانية، وظهور نزعات انفصالية في دول الاتحاد ذاتها، اسكوتلندا وكاتالونيا. وهناك كذلك الكثير من الأزمات الاقتصادية التي تضرب دول الاتحاد، مثال أزمة الديون اليونانية التي لم تنته بعد وتصاعد نسبة البطالة وانخفاض الدخل الفردي في كثير من الدول الأوروبية. فهل يمكن للجيش الموحد أن يحد من النزعات الانفصالية في الدول الأوروبية؟ إن وجوده يخلق روحاً جامعة ومعضدة للقوة الأوروبية؛ وهو ما يخشاه ترامب الذي يبدو أنه يعتبر استمرار هذه النزعات يصب في المصلحة الأميركية. وطبيعي ألا نجد سياسة أوروبية موحدة تجاه الكثير من الملفات الساخنة في عالم اليوم، لكن هناك حداً أدنى من الاتفاق يستند إلى الحفاظ على الأمن والسلم في دول الاتحاد الأوروبي؛ الأمر الذي يجعل هذا الجيش ضرورة حيوية وليس استعراضاً للقوة في مواجهة الولايات المتحدة كما يعتقد الرئيس الأميركي.

بعبارة أخرى؛ إن فكرة وجود جيش موحد يكرس مفهوم المصلحة الأوروبية التي تجب عليه حمايتها. وفي مثال على ذلك، تورطت دول الاتحاد؛ وتحديداً بريطانيا، في صراعات كان الغرض منها مجرد التضامن مع الولايات المتحدة، فلماذا انضمت القوات البريطانية إلى الحرب في أفغانستان؟ وما هو السبب الذي دفعها إلى الانضمام إلى الغزو الأميركي للعراق؟ ولهذا يعتقد ترامب أن الحليف الأوروبي في حال عصيانه لن يكون تابعاً بعد الآن للسياسات الأميركية؛ الأقرب إلى المغامرة غير محمودة العواقب؛ منها للقرارات المرتبطة بمصلحة الاتحاد الأوروبي.

وعليه؛ يمكن القول إن واشنطن تخشى أن يقرب الجيش الموحد بين الدول الأوروبية على حساب مصالحها ويحد من صراع المصالح بين دول الاتحاد ذاتها، سواء داخل حدوده، مثل السعي إلى الهيمنة على السوق الاقتصادية فيه، أو خارجها، وأبرزه الصراع الخفي بين ألمانيا وفرنسا في مالي و»التهافت» الكبير على النفوذ في القارة الأفريقية. وترتاب الولايات المتحدة من احتمالات سيطرة ألمانيا على هذا الجيش خصوصاً وأنها تعتبر أقوى اقتصاديات أوروبا، واستطاعت، إلى حد كبير، تجنب أو التخفيف من حدة الأزمة الاقتصادية التي ضربت العالم عام 2008. فهي القادرة فعلياً على الانفاق وتحمل الأعباء. في الاجمال، نرى أن مثل هذا الجيش ربما يحد من وجود أميركا في أوروبا التي ماتزال مستفيدة من وجودها في القارة العجوز. وبالتالي، فإن هذا المشروع لن يروق للولايات المتحدة، وستحاول عرقلته بغية افشاله لكي تظل تسيطر على أوروبا.

إلى ذلك، تعتبر أوروبا (المجال الحيوي) للولايات المتحدة تجاه روسيا من ناحية الشرق. ومن خلال أوروبا تستطيع واشنطن الضغط على موسكو في الكثير من الملفات لا سيما تلك المتعلقة بدول شرق أوروبا والشرق الأوسط. ويبقى السؤال حول مستقبل حلف شمال الأطلسي «ناتو» في ظل وجود جيش أوروبي موحد خصوصاً أن هذا الحلف عسكري بالدرجة الأولى؟!

أعتقد أن الولايات المتحدة هي القوة العسكرية الأكبر في «الناتو»، وأن وجود جيش أوروبي موحد، سينافس بالطبع القوة الأميركية إن لم يكن يفوقها. ويظل مصير «الناتو» مجهولاً، ما يجعلنا نتساءل: هل الجيش الأوروبي بديل لحلف الناتو؟ عموماً قد يشكل استبدال الناتو بقوات أوروبية مخاوف لدى الكثير من الدول الأوروبية المحاذية لروسيا؛ لأن معالم وقدرات هذه القوات لا تزال غير معروفة المعالم، بينما قدرات الناتو معروفة ومحددة ولها تجارب في الكثير من الميادين التي تدخلت فيها. على أي حال؛ الجيش الأوروبي سيظل فرصة للرئيس الروسي فلاديمير بوتن ليكون الحليف الأقرب إلى أوروبا من ترامب!

* كاتب مصري