نشر موقع “درج ميديا” اللبناني، تقريرا تطرق فيه إلى تأثير سياسات إيران المائية على العراق، إذ دفع نقص المياه الإيرانية الحاد الحكومة لاتخاذ سياسات على خطى الاتحاد السوفياتي السابق في آسيا الوسطى؛ عندما قطعت السلطات السوفيتية مجري نهري “سر داريا” و”آمو داريا” عن بحيرة “أورال” في كازاخستان وحولتها نحو أوزبكستان؛ من أجل زيادة إنتاج القطن.

وتعاني نصف المدن الإيرانية من نقص حاد في المياه، وقد فرغت خزانات المياه والسدود في البلاد، وباتت ندرة المياه تقلق النظام بعدما جف حلق سكان مئات القرى والبلدات، خاصة في وسط وجنوب البلاد بما في ذلك طهران العاصمة التي تغذيها أربعة سدود تعاني هي أيضاً من انخفاض مستمر بسبب الجفاف، ومضاعفة الطلب على المياه.

وبرغم تحذيرات كثيرة من تردي الأوضاع الصحية فيها وتهالك شبكات الصرف الصحي، تلجأ إدارة العاصمة لحفر الآبار في مواجهة العطش وتوفير الشرب لسكان أجزاء من المدينة التي تعاني من التلوث.

وتشير المعلومات إلى جفاف غالبية الأنهار الإيرانية ومن المتوقع أن يؤدي تفاقم ندرة المياه إلى هجرات داخلية لم تشهدها البلاد في تاريخها.

ولا يخفي المسؤولون الإيرانيون تخوفهم من توجه عشرات الملايين من المواطنين نحو المراكز والعيش في مدن الصفيح في أطراف المدن، أو إلى خارج البلاد، ذاك أن مناطقهم، وبسبب سياسات في تغيير مجرى الأنهار واستهلاك المياه الجوفية، خلت من مصادر المياه.

وفي محافظة أورميه شمال غرب البلاد، أدى حفر أكثر من 50 ألف بئر إلى تجفيف مصادر بحيرة “أورمية” الجوفية التي توشك الآن على الجفاف، وقد تتحول إلى بركة صغيرة نتيجة ذلك ولا يختلف مصيرها تالياً، عن مصير بحيرة “أورال” في كازاخستان، والتي عرضتها السياسات السوفياتية في ستينات القرن المنصرم إلى الهلاك.

ولم يعد وضع إيران المائي والبيئي، عنواناً تستخدمه أجهزة نظام الحكم الأمنية ضد المعارضين واتهامهم بالعمل لصالح جهات أجنبية، وفقا للتقرير.

وتسبب الجفاف وندرة المياه بتغييرات سكانية في أكثر من 12 محافظة من بين 31 محافظة، وقد تؤدي إلى اضطرار ما يقارب 50 مليون إيراني لمغادرة البلاد خلال العقد القادم أو اللجوء إلى بيوت الصفيح في أحسن الأحوال.

وبحسب التقرير، فإن الهجرة القادمة قد تحدث صراعات داخلية وإقليمية من شأنها إشعال حروب جديدة في المنطقة، ولا يخفي مسؤولو النظام في طهران، بأن سياسات إيران القادمة تستوجب منع الأنهار الدولية من الخروج، أي حبس المياه أو تغيير مجراها نحو المدن العطشى ومناطق الجفاف.

وتخلق السياسة التي أعلن عنها مساعد وزير الخارجية عباس عراقجي في مؤتمر دولي عقد حول المياه الشهر الماضي في طهران، آثار أخرى على ندرة المياه، منها حرمان دول المصب من حصصها المائية أولاً، وزيادة نسبة الملوحة في المياه “المحبوسة” داخل البلاد ثانياً؛ إضافة إلى خرق القوانين الدولية فيما خص الشراكة في المياه، وهي سياسة خاطئة تزيد الطين بلة، ذاك أنها تغذي الأزمات السياسية والاقتصادية والبيئية بدل تقليل مخاطرها.

والمثال الأوضح في هذا السياق هو نهر كارون أحد أكبر أنهار إيران حيث يتم تجفيفه بفعل فاعل وذلك من خلال بناء سدود كثيرة عليه من جانب ونقل المياه منه إلى نهر زايندة في محافظة أصفهان وسط البلاد.

وأدت هذه السياسة المائية الإجرائية إلى ارتفاع نسبة الملوحة واتلاف الأراضي الزراعية في مناطق خوزستان داخل إيران والعراق، إذ أن توقف النهر الداخل إلى الخليج عبر الأراضي العراقية عن الجريان، أدى إلى صعود نسبة الملوحة في التربة وتسببت بأزمة كبيرة للسكان وغابات النخيل في الجنوب العراقي؛ بسبب تحوله إلى ساقية صغيرة فقط، وقد حصلت ارتفاع الملوحة في المنطقة التي بنى فيها الحرس الثوري الإيراني سد “كوتفند” على النهر بسبب تجاهل جميع التحذيرات والبحوث العلمية حول قرب مكان السد من أحواض ملحية.

وتقلد إيران في سياستها المائية، سياسات الاتحاد السوفياتي السابق في آسيا الوسطى، إذ قطعت السلطات السوفيتية مجرى نهري “سر داريا” و”آمو داريا” عن بحيرة أورال في كازاخستان وحولتها نحو أوزبكستان، وذلك من أجل زيادة انتاج القطن. وقد نجحت السلطات الشيوعية في تحويل أوزبكستان إلى أكبر منتج للقطن في العالم، إنما خسرت على أثر “السياسة الخبيثة” رابع أكبر بحيرة في العالم.

وما تقوم به إيران منذ سنوات بتغيير مجاري أنهار سيروان والزاب الصغير وكارون وأنهار أخرى دولية أخرى تنبع من إيران أو تمرّ عبرها، يؤدي إلى نتائج خطيرة أبرزها تخريب نظام تحلية المياه الطبيعي وحرمان بلدان المصب من المياه، إضافة إلى الهجرة السكانية إثر تجفيف مصادر المياه وتغيير مجاريها الطبيعية، إلى جانب حبس الأنهار وتغيير مجاريها وإجهاد المصادر الجوفية، والجفاف، وارتفاع درجات الحرارة وقلة الأمطار بطبيعة الحال.

وتوجد أسباب أخرى تتمثل بسياسة مائية ترسمها المؤسسة العسكرية الإيرانية أو تقررها دون أخذ الآثار المستقبلية على نتائج التحكم بالمياه على محمل الجد، وفي ذات السياق يمكن القول بأن انشغالات النظام الإيراني بالعالم الخارجي ومحاولات تصدير نموذجه في الحكم واحداً من تلك الأسباب التي أوصلت البلاد إلى هذا المستوى الكارثي المتمثل بالتصحر والتغيير سكاني في البلاد بسبب العطش واتلاف الأراضي الزراعية، إذ لم تتوقف إيران منذ “الثورة” العام 1979، عن دعم منظمات وحركات سياسية وعسكرية في العالم بعشرات المليارات من الدولارات، بينما لم تلتفت لقضايا المياه وإدارتها وقوننتها وإيجاد حلول لها.

ويضاف إلى كل الأسباب الواردة، الإسراف والهدر المائي في مجالات زراعية قد تكون مربحة اقتصادياً لسنين محدودة، إنما غير مجدية على المدى البعيد، كما حدث في زراعة القطن السوفياتية في آسيا الوسطى. وقد اعترف مستشار المرشد الإيراني للشؤون العسكرية رحيم صفوي في المؤتمر المذكور، باستهلاك ما يقارب 90 بالمائة من خزين المياه في مجال الزراعة ونوه إلى ضرورة تعديل الاستهلاك.

ولم تعلن إيران عن أسباب الكارثة المائية التي تواجهها إلا في الوقت الضائع، ولا تعود إلى التغييرات البيئية وحدها، بل إلى اتباع سياسات سوفياتية بغية احتلال موقع الصدارة الاقتصادي إقليمياً، إنما بالقضاء على المياه، بحسب التقرير.

ويعد المتضرر الأول من بين البلدان التي تشاركها إيران في الأنهار الدولية هو العراق؛ إذ يقع في مصب جميع الأنهار، إضافة إلى سطوة إيران السياسية والأمنية على الحكومة العراقية التي اكتشفت هي الأخرى أزمة المياه في اللحظة التي وقف فيها العطش على الأبواب.

وفي الوقت الذي تتبع فيه سياسات بناء السدود وتغيير مجاري الأنهار، تنتقد إيران سياسات أفغانستان في بناء السدود على الأنهار المشتركة بين البلدين، تحديداً سد كمان خان على نهر “هلمند”، فمن شأن الانتهاء منه تقليص حصة المياه المتدفقة إلى محافظتي سيستان وبلوشستان الإيرانيتين في جنوب شرق البلاد، وتأجيج اضطرابات اجتماعية في منطقة تعاني في الأصل من هشاشة اقتصادية.