العراق / بغداد / وطننا /

عدنان أبو زيد

أوعز الرئيس الإيرانيّ حسن روحاني في 12 تشرين الثاني/نوفمبر بمدّ سكّة حديد من منفذ الشلامجة الحدوديّ إلى مدينة البصرة في العراق، فيما كشف مساعد مدير شركة سكك الحديد الإيرانيّة مازيار يزداني أنّ “مدّ سكّة الحديد تستكمل الخطّ السككيّ بين إيران والعراق وسوريا إلى ميناء اللاذقيّة على البحر المتوسّط”، الأمر الذي يكشف الهدف السياسيّ أيضاً من المشروع، وهو أمر كانت أعلنته إيران وسوريا في 14 آب/أغسطس من عام 2018 عن عزمهما مدّ سكّة حديد بين البلدين بمشاركة العراق لمواجهة العقوبات الغربيّة وتعزيز التعاون الاقتصاديّ، تمتدّ من مدينة الشلامجة جنوب إيران إلى ميناء البصرة العراقيّ، ثمّ إلى الأراضي السوريّة.

وفي حين تتحدّث المصادر الإيرانيّة عن أنّ السكّة هي جزء من صفقة إعادة الإعمار لسوريا تحصل بموجبها إيران على امتيازات اقتصاديّة وتجاريّة أخرى، كما أنّها مساهمة في قطاع النقل تسهّل السياحة الدينيّة بين إيران والعراق وسوريا، فإنّ أطرافاً سوريّة معارضة عدّتها تكريساً لنفوذ إيران وتعزيزاً لخدمات لوجستيّة مهمّة لوجودها في العراق وسوريا.

وفي تأكيد لمشروعيّة المشروع، كشف وكيل وزير الطرق والسكك الإيرانيّ أمير اميني، في 9 آب/أغسطس من عام 2018، عن أنّ “المشروع نال موافقة منظّمة التنمية الاقتصاديّة لمنطقة آسيا والمحيط الهادىء (APEC)”.

تاريخيّاً، فإنّ القطار الأوّل الذي تمّ تسييره على الخطّ القياسيّ في العراق بين بغداد والبصرة كان عام 1967. وبعد الاجتياح الأميركيّ للعراق خلال عام 2003، تضرّرت سكك الحديد بفعل الحرب، إلاّ أنّ الشركة العراقيّة عادت لتسيير رحلاتها في بعض خطوطها مثل البصرة وبغداد التي تنقل بضائع إيرانيّة إلى العاصمة.

وأشار مدير إعلام وزارة النقل عامر الجابري , إلى أنّ “العراق يتحمّس لأيّ مشروع يعزّز عمليّات النقل العابرة للحدود دعماً لاقتصاده وتسهيلاً لسفر مواطنيه بين الدول”، لافتاً إلى أنّ “مشروع سكّة الحديد على خطّ إيران، سوريا والعراق، سوف يوفّر نافذة للعراق عبر موانئ البحر المتوسّط من جهة، وعبر المنافذ البحريّة الإيرانيّة من جهة أخرى”.

وإنّ الأمر الذي يعزّز من حماس إيران إلى مشروع السكّة، نيّتها إنشاء موانئ على سواحل سوريا، فيما رأت إسرائيل أنّ مشروع السكّة سوف يسهّل من عمليّات نقل السلاح إلى سوريا.

وفي جانب الحماس السوريّ للمشروع، فإنّ وزير النقل السوريّ علي حمّود أكّد في 10 نيسان/إبريل من عام 2018 أهميّة إعادة تفعيل النقل البريّ مع العراق لما لها من أهميّة في التواصل مع إيران”، فيما قالت وزارة النقل السوريّة : “إنّ السكّة هي جزء من برنامج إعادة البنية التحتيّة التي دمّرتها الحرب، والتي تسبّبت أيضاً في تدمير نحو 1800 كم من شبكة السكك السوريّة التي يمتدّ جزء كبير منها إلى الدول المجاورة”.

وفي التفاصيل الفنيّة التي كشفتها الوزارة، فإنّ “المشروع في جزئه السوريّ يتضمّن إنشاء 32 كيلومتراً من سكك الحديد، فيما الباقي ينشئه العراق في عمق أراضيه لربط كلّ من بغداد بكربلاء (وسط العراق) وكربلاء بالأراضي السوريّة، الأمر الذي يسهّل تنقّل الأفراد وشحن البضائع بين إيران والعراق إلى سوريا، وبالعكس”.

ونفت الوزارة “ما تروّج له جهات من كون المشروع تعزيزاً للنفوذ الإيرانيّ نحو المتوسّط”، مؤكّدة أنّ “الشبكة هي جزء من مشروع يرتبط مع شبكات آسيا الوسطى المرتبطة بدورها مع سكك الصين وروسيا، إذ تطمح سوريا إلى أن يمرّ طريق الحرير عبر أراضيها”.

وفي ما يتعلّق بالجانب العراقيّ، أكّد مدير إعلام شركة سكك الحديد العراقيّة عبد الستّار محسن أنّ “سكّة الحديد الممتدّة بين الدول الثلاث، هي ضمن استراتيجيّات وزارة النقل، لكنّ التأخير حصل بسبب الظروف السياسيّة التي مرّ بها العراق. وإنّ وزارة النقل أهّلت خطّ السكّة باتّجاه سوريا بعد تضرّره من قبل تنظيم داعش، والذي يمتدّ على مسافة 121 كيلومتراً في جزئه في شمال البلاد بين مدن تكريت والموصل والفلّوجة – أبو غريب، وهو الخط الذي يرتبط بجنوب البلاد أيضاً ويؤدّي إلى سوريا”.

هذا الخطّ، بحسب موقع “الشركة العامّة للسكك الحديد”، هو جزء من الربط السككيّ الإقليميّ الذي يتضمّن مدّ خطوط السكك باتّجاه إيران، لا سيّما خطّ سكّة حديد البصرة – الشلامجة، وخطّ سكّة حديد مسيب – كربلاء، على ضوء تنسيق مشترك بين الجانبين العراقيّ والإيرانيّ. وفي الخطط المستقبليّة، فإنّ السكك سوف تمتدّ من العراق إلى إيران وسوريا والأردن والخليج العربيّ عن طريق الكويت.

ووجدت الخبيرة الاقتصاديّة ومستشارة رابطة المصارف العراقيّة سلام سميسم “بعداً سياسيّاً في مشروع السكّة، بعد انسحاب أميركا من الاتفاق النوويّ وانهيار العملة الإيرانيّة، الأمر الذي يدفع بإيران إلى العمل بسرعة على مدّ سكّة حديد باتّجاه العراق وسوريا، لأنّها ترى في المشروع منفذاً اقتصاديّاً وتجاريّاً لها باتّجاه سوريا. فضلاً عن أنّه يساهم في تعزيز السياحة الدينيّة، حيث تشترك الدول الثلاث في كثرة المعالم الدينيّة الشيعيّة بصورة خاصّة”.

ورأت سلام سميسم أنّ “المردود الاقتصاديّ للمشروع سوف يتأثر كثيراً بالعقوبات، وسيقتصر دوره على ما تسمح به العقوبات الأميركيّة على إيران”.

الربط السككيّ لدول ثلاث في منطقة تعاني من ويلات الحروب ونشاط الجماعات المسلّحة، التي قطّعت أوصال الحركة التجاريّة بينها، سوف يكون مشروعاً جريئاً ومفيداً ما لم يصطدم بعراقيل المواقف السياسيّة، التي تعتبر مشروع السكّة خطراً إيرانيّاً يقترب من سواحل البحر المتوسّط، وما لم يتجاوز شروط العقوبات المفروضة على إيران، لا سيّما أنّ سوريا وإيران أعلنتا في29 آب/أغسطس عن اتفاقيّة عسكريّة لتعزيز البنى التحتيّة الدفاعيّة السوريّة، الأمر الذي يجعل المشروع في فوهة معارضة واشنطن، فضلاً عن الدول المتحالفة معها.