نقل التلفزيون الرسمي العراقي عن رئيس الوزراء العراقي حيدر العبادي قوله أمس في مؤتمر صحافي “لن نتفاعل مع العقوبات الأميركية ضد إيران وأننا ملتزمون بحماية شعبنا ومصالح بلدنا”.

وأكد محللون أن بغداد تدخل بذلك في مغامرة محفوفة بالمخاطر، بعد أن جدد الرئيس الأميركي دونالد ترامب أمس أن على الدول والشركات الاختيار بين التعامل مع الولايات المتحدة أو إيران.

ويحاول مسؤولون عراقيون إقناع الولايات المتحدة بمنح الحكومة العراقية استثناء من قائمة الدول الملزمة بتنفيذ العقوبات الجديدة على إيران التي دخلت أمس مرحلتها الأولى حيز التنفيذ.

وقالت مصادر مطلعة  إن المسؤولين، الذين لديهم صلات قوية مع إيران، يحاولون تبرير الطلب بدعوى أن العراق يعتمد علي طهران في الحصول على عدد من احتياجاته الأساسية، مثل الكهرباء وبعض أنواع الوقود.

لكن مصادر دبلوماسية رفيعة في بغداد أكدت أن مطالب بغداد لن تجد من يصغي إليها في واشنطن، بعد أن دخلت المرحلة الأولى من العقوبات الأميركية ضد إيران، حيز التنفيذ، والتي يتعلق معظمها بالتعاملات المالية والتجارية.

وتزود إيران العراق بمعظم حاجته من وقود “زيت الديزل” اللازم لتشغيل محطات توليد الطاقة الحكومية ومولدات الكهرباء العامة والخاصة. كما توفر نحو 10 في المئة‎ من الكهرباء التي يحتاجها العراق.

لكن طهران أوقفت الشهر الماضي إمدادات الكهرباء بحجة نقص الإمدادات داخل إيران. وقد فاقمت الخطوة الإيرانية الاحتجاجات على نقص الكهرباء في مدن وسط وجنوب العراق.

ويقول المسؤولون العراقيون إن إيران تمثل عصبا مهما لملف الطاقة الكهربائية في العراق، ولا سيما خلال فصل الصيف، حيث تنهار منظومة الكهرباء الحكومية بفعل الارتفاع الكبير في درجات الحرارة.

ويرى مراقبون أن الموقف العراقي غير مبرر بعد أن قطعت طهران إمدادات الكهرباء وإمدادات المياه من الجداول التي تنبع من أراضيها وتصب في نهر دجلة وشط العرب، الأمر الذي فاقم معاناة السكان في جنوب العراق.

وتمنع العقوبات الأميركية الدول من إجراء التعاملات الاقتصادية مع إيران بالدولار، كما تمنع المصارف والبنوك من استضافة حسابات بالريال الإيراني، وهذا يعني أن بغداد لن تتمكن من شراء الوقود والكهرباء من طهران.

ويخشى العراق أن يؤدي ذلك إلى المزيد من النقص في إمدادات الطاقة الموجهة للسكان، ما يفاقم الاحتجاجات الشعبية ضد تردي الخدمات وشيوع الفساد في مؤسسات الدولة وتفشي البطالة.

وعلمت “العرب” من مصادر دبلوماسية في بغداد أن الحكومة تحاول منذ أيام الحصول من واشنطن على قرار يستثنيها من تطبيق العقوبات الإيرانية.

وقالت المصادر إن العراق يعتقد أن “على الولايات المتحدة أن تقدر الظروف الدقيقة التي يمر بها تحت ضغط الاحتجاجات الشعبية التي وصلت بعض مطالبها إلى مستوى إسقاط النظام السياسي”.

لكن المصادر الدبلوماسية أكدت أن الطلب العراقي لم يلق آذانا صاغية في واشنطن، بل إنه “قوبل بتشدد أميركي غير رسمي”.

وتؤكد المصادر أن “واشنطن شرحت لحلفائها في العراق، وعلى رأسهم رئيس الوزراء حيدر العبادي، أهمية مساهمة الجميع في تطبيق العقوبات ضد إيران بشكل صارم، لضمان فاعليتها السريعة”.

وتضيف أن بغداد عادت وطلبت من واشنطن “تسهيلات” تساعدها في الحصول على حاجتها من الكهرباء والوقود الإيرانيين مؤقتا، لكنها لم تتلق ردا حتى الآن.

وتكشف المصادر أن “وزارة الخارجية العراقية تلقت من نظيرتها الأميركية إشارات غير رسمية تشير إلى عزم الولايات المتحدة على شمول أي دولة تساعد إيران بالعقوبات نفسها، بما في ذلك العراق”.

ويقول سياسيون عراقيون إن “حاجة العراق إلى الكهرباء والوقود، لا تقارن بحاجة إيران إلى الدولار الأميركي”. وأوضحوا أن “العراق كان في ما مضى حديقة خلفية لإيران، تستخدمه للحصول على حاجتها من العملة الصعبة، وفي مقدمتها الدولار، ولكنه قد يتحول الآن إلى منفذها الوحيد لهذه العملة”.

وبعد دخول العقوبات الأميركية حيز التنفيذ، لم يعد باستطاعة أي مصرف عراقي إرسال الدولار إلى إيران أو استقبال العملة الإيرانية، ما يعني تحول التهريب إلى وسيلة لتزويد إيران بالعملة الصعبة.

وبسبب الحدود الطويلة بين البلدين، وعزلة طهران في محيطها الإقليمي، يعد العراق المنصة الرئيسية لدى إيران في أي عملية تهريب تستهدف إيصال أموال أو أشخاص إلى سوريا ولبنان واليمن.

ويقول مراقبون إن العراق ربما يتحول إلى ساحة صراع مخابراتي بين إيران وخصومها، تدور حول تهريب الأموال والمواد الممنوعة على إيران، مثل الذهب والألمنيوم والحديد والفحم والمعدات التكنولوجية التي شملتها المرحلة الأولى من العقوبات.