“رياض الجنابي”

منذ اليوم الأول للإحتلال قبل ما يقرب العقد ونصف العقد شهد العراق احداثا كارثية وظروفا قاهرة ومشاكل لا حصر لها سواء على المستوى الداخلي او على مستوى العلاقات الإقليمية والدولية.

كل ذلك بسسبب العملية السياسية التي اصر الاحتلال على فرضها وترسيخها بل والاستمرار على المراهنة عليها، رغم ما افرزته من كوارث حلت بأبناء البلد كان اولها ظهور الارهاب وجعل العراق بؤرة لاستقطاب التنظيمات الارهابية من شتى بلدان العالم مرورا بالفتنة الطائفية ومن ثم ظهور(داعش) اخطر التنظيمات وافتكها واكثرها عنفا ودموية على مدى تاريخ تأسيس الدولة العراقية وما رافق وجوده من تدمير وخسائر لا تعد ولا تحصى في كافة المجالات .

وانقسم المتابعون للشأن العراقي في تفسير ما وقع من أحداث فالبعض يحاول ان يضفي عليه صبغة المقبولية وان ما مر به العراق من احداث اعقبت الاحتلال هو امر طبيعي كون هذا البلد اعتاد على الانقلابات العسكرية لانتزاع السلطة من حكومة لاخرى، لذلك فهو يحتاج الى بعض الوقت والتضحيات حتى تصل العملية السياسية لمرحلة النضوج.

ويرى قسم آخر ان ما عصف بالبلاد سببه عملية سياسية منحرفة بنيت على اسس خاطئة ومعايير بعيدة كل البعد عن الضوابط التي تؤسس وتبنى بها الدول وانظمتها السياسية لذلك كان متوقعا ان تأخذ البلاد نحو الهاوية.

وبالتالي فأن الشعب أنقسم ايضا الى قسمين  الاول مؤيد للراي الاول وداعم له والقسم الثاني مؤيد للراي الثاني.

لذلك كان خروج التظاهرات والاحتجاجات ورفض شريحة من ابناء الشعب لهذه العملية السياسية حالة طبيعية منذ ايامها الاولى، وعمدت الحكومات الى مواجهة مثل هكذا حالة أما بالتقليل من شأنها او عدم الاكتراث لها لانها تراها على رأي احد سياسيي العراق ليست الا حالة هياج مؤقت كالذي يحدثه قرص الفيتامينات عند وضعه في الماء ثم ينتهي كل شي بمجرد ذوابنه او ربما تنهيها عن طريق التفاوض واعطاء وعود من المؤكد انها لن تجد للنور سبيل.

ولا يبدو ان لحماقات ساسة العراق الجدد وغفلتهم نهاية فقد اعتادوا القفز على الحقائق والثوابت ومحاولة تفسير كل ما يحدث وفق ما تشتهي رغباتهم المريضة وميولهم الشاذ ويبدو انهم فارقوا درب الرشاد الى غير رجعة وفقدو ادنى حالات التبصر والفهم لما ارسلته التظاهرات الاخيرة من رسائل لم تعهدها كل التظاهرات التي سبقتها .لقد اسقطت هذه التظاهرات رموزا ونزعت الهالة والمقبولية عن كيانات كانت تعتبر في السابق خطوطا حمراء وصارت تنادي بشعارات

 كان يتهم بالارهاب والعمل بأجندات خارجية كل من يطلقها في السابق ومن هذه الشعارات اسقاط العملية السياسية ومحاكمة القائمين عليها وطرد الاحزاب التي جاءت مع المحتل بعد استعادة كل ما سرقته من خزينة الدولة العراقيةولم يكن مستغربا مهاجمة مقرات تلك الاحزاب وحرقها وان كانت مثل هذه الاعمال غير معهودة في السابق..   لذلك  كل هذه الرسائل والمطالب تؤكد ان ما يحدث للعراق هو ليس عملية تظاهر واحتجاج كما يحاول ان يصورها البعض وانما هي ثورة حقيقية يستعر لهيبها يوما بعد يوم وتتسع دائرتها رغم التضييق ومحاولة احتواءها من قبل الحكومة .

ثورة واعية ضد كل ما افرزته العملية  السياسية  من ظلم وجور وفقر وضياع لمقدرات البلاد وان يوم الخلاص مهما ابتعد فلابد له ان يحل ،

وان الشعب على موعد مع العدالة للاقتصاص من كل الذين كانوا سببا وعاملا في ما مرت به البلاد من مصائب ومآسي..