ادريس الكنبوري

لا يزال مصير الرجل الأول في تنظيم داعش الإرهابي، أبي بكر البغدادي، يكتنفه الغموض وتتضارب حوله الأنباء. في العام الماضي، ومع توالي الضربات الموجعة التي تلقاها تنظيم الدولة وتصفية طليعة قادته راجت معلومات حول احتمال تواجده في ليبيا، وتحديدا في المناطق المحيطة بمدينة سرت الساحلية التي كان يتواجد فيها الفرع الليبي للتنظيم قبل أن يتم طرده لاحقا. وفي تلك الفترة وجد الخبر من يهتم به، بسبب توقعات بإمكانية استمرار فرع التنظيم في ليبيا وفتح جبهة جديدة من هناك بعد انهيار الجبهة العراقية.

وفي ما بعد نشر الجيش الروسي معلومات عن مقتله في غارة جوية روسية قرب الرقة في سوريا، ولكن الخبر دفع التنظيم إلى الإفراج عن شريط صوتي مسجل منسوب إلى البغدادي يحث فيه مقاتليه على الاتحاد ومواصلة العمليات الإرهابية حول العالم، ويعرب عن رغبته في رؤية “النصر العظيم” قريبا. وليس مؤكدا حتى الآن ما إن كان ذلك الشريط يعود بالفعل إلى الفترة التي بث فيها، في سبتمبر من العام الماضي، أم أنه مسجل في وقت سابق، وإن كان الظاهر أنه حديث لأن اللهجة التي تحدث بها البغدادي كانت لهجة مختلفة حاول بها رفع معنويات ما تبقى من أجناده بعد اغتيال البعض وتساقط الكثيرين.

وخلال الأسبوع الماضي راج خبران متناقضان، فقد ذكرت صحيفة تركية نقلا عن مصادر سورية مرتبطة بتنظيم “جند الأقصى” الإرهابي، أن البغدادي جرى اعتقاله في العراق من طرف القوات الأميركية ويوجد رهن الاعتقال في قاعدة عسكرية بالحسكة في سوريا، فيما نشرت صحيفة “صن” البريطانية خبرا آخر يقول إن البغدادي نجح في الهرب من العراق ويوجد حاليا في مخبأ سري قرب الحدود بين الجزائر والنيجر.

سواء صح واحد من تلك الأنباء أم لم يصح، فإن الأمر المؤكد أن زعيم التنظيم الذي أرعب العراقيين وأدخل الفزع على قلوب الأوروبيين ويعد المسؤول الأول عن آلاف الضحايا في العالم يوجد في زاوية حرجة ستنتهي به عاجلا أم آجلا إلى الاعتقال أو القتل، لأن فرص النجاة أمامه محدودة، بعد أن تعرى التنظيم وفقد الكثير من عتاده الحربي وقادته الذين كانوا يشكلون النواة الصلبة المحيطة به، وفقد المناطق التي كان يسيطر عليها منذ ظهوره عام 2014.

وربما يوجد البغدادي الآن وحيدا في عزلته، إن كان حيا، بعد أن خسر حاشيته القريبة وأهم كوادر التنظيم ومستشاريه الشخصيين الذين كانوا يتحلقون حوله ويحاولون أن يصنعوا منه أمام أنظار العالم بطلا من طراز خاص. فعادة ما تكون الشخصية الإرهابية مهزوزة وقد تشعر بدرجة من الخوف أعلى من الخوف الذي تشعر به الضحية، خصوصا حين يدرك بأنه ملاحق ومطلوب حيا أو ميتا، وبشكل خاص عندما يفقد أهم المقربين إليه.

خلال السنوات الثلاث الأخيرة فقد التنظيم العشرات من قادته البارزين، سواء أولئك الذين كانوا يظهرون في الواجهة أو أولئك الذين كانوا يعملون من وراء ستار ويحرصون على تدبير الأمور الداخلية في التنظيم، على الصعيد العسكري أو الإعلامي، ولم يعد حيا من الجيل الأول الذي واكب “إنشاء” الخلافة البغدادية وأشرف على هندستها سوى حفنة من الأشخاص أغلب الظن أنهم كانوا مجرد مساعدين وأقل تأثيرا من الكوادر التي جرى قتلها.

البغدادي اليوم إرهابي ملاحق يبحث عن مكان للاختباء، والاحتمال الأقرب، في حال كونه حيا الآن، أنه فقد قنوات التواصل مع مقاتليه، ولم يعد قادرا على إعطاء تعليماته لتنفيذ عمليات إرهابية تحمل طابع التنظيم المركزي، عدا تلك التي تنفذها جماعات إرهابية لها قادتها المباشرون باسم داعش، التي ربما أصبحت ورقة تختبئ وراءها تلك الجماعات. وربما تظهر الحقائق مستقبلا أن البغدادي لم يكن بالصورة التي جرى رسمها من لدن الشبكة المحيطة به داخل التنظيم، وأنه كان مجرد رجل يفتقد إلى الكفاءة والخبرة تم الدفع به إلى الواجهة.