العراق/بغداد/وطننا

بعد مرور ما يقارب الشهر على انتخابات مجلس النواب العراقي ما زالت سلطات الدولة المفترضة كلها تدور في حلقة مفرغة، فبعيدا عن انتهاكات نصوص الدستور والقانونية المنهجية التي تشكل الإطاحة بها سياقا يوميا، وبعيدا عن مبدأ تعارض المصالح غير المفكر فيه، وبعيدا عن مقولات الديمقراطية والحق والشرعية التي لا مكان لها أصلا، نحن أمام تكريس لأزمة الدولة، وفشلها.

 مبكرا، وقبل الانتخابات، كان ثمة تحذيرات بأن ثمة إشكاليات تتعلق بعمل أجهزة تسريع العد والفرز التي استخدمت للمرة الأولى في العراق، كما كان يبدو واضحا أن ثمة مشكلات حقيقية تتعلق بإدارة وضبط التصويت المشروط الخاص بالنازحين وانتخابات الخارج، خاصة وأن تجارب انتخابات الخارج السابقة، وتجربة التصويت المشروط في العام 2014، أثبتت أن التلاعب والتزوير فيهما يصل إلى نسبة 99٪! ولكن سلطات الدولة المختلفة تعاملت مع هذه التحذيرات باستخفاف وتجاهل مريبين! فلا أحد حتى هذه اللحظة يعرف حقيقة شركة (ميرو سيمنز) الكورية التي زودت العراق بأجهزة تسريع العد والفرز الذي بلغ 100 مليون دولار تقريبا! ولا أحد يعرف لماذا لم يتم عرض هذه الأجهزة على شركة فاحصة للتأكد من صلاحيتها! ولا أحد يعرف لماذا تم التعاقد مع شركة (أندرا) الاسبانية بمبلغ 166 مليون دولار لتجهيز البرمجيات والخوادم وبطاقات الناخبين! ذلك أن الفاعلين السياسيين الأقوياء المهيمنين على الدولة وسلطاتها كانوا يتعاملون مع “المفوضية المستقلة العليا للانتخابات” على أنها مفوضيتهم، وأن “ممثليهم” (بكسر الثاء) فيها سيقومون بما يجب عليهم القيام به لضمان مصالح الممثلين (بفتح الثاء) بشتى الوسائل الشرعية وغير الشرعية!

 فمجلس النواب الذي يفترض أن تخضع مفوضية الانتخابات لرقابته الحصرية بموجب الدستور كان عمليا متواطئا بالكامل مع توزيع المفوضية بين كتله الكبرى، سواء عبر اللجنة البرلمانية التي اختارت أعضاء المفوضية التسعة، أو عبر التصويت عليهم بطريقة فريدة وغير مسبوقة (تم تقديم أربعة قوائم للتصويت على إحداها، مع تدوير المرشحين بين هذه القوائم الأربعة)! وبالتالي لا يمكن التعاطي مع انتفاضته الأخيرة بجدية على أنها دفاع عن نزاهة الانتخابات وشفافيتها بل هي اعتراض على نتائجها وحسب!

 السلطة التنفيذية بجناحيها كان موقفها من الانتخابات ونتائجها تعبيرا عن مواقف شخوصها الشخصية والحزبية وليس تعبيرا عن منطق الدولة! فالسيد رئيس الجمهورية بدا حريصا على الإبقاء على نتائج الانتخابات كما هي، لأن الحزب الذي ينتمي إليه ما زال مصرا على اعتماد نتائج الانتخابات من دون أي مراجعة! لهذا جاءت اعتراضاته غير المسبوقة على قرار مجلس النواب في جلسته الاستثنائية في 28 أيار/ مايو 2018 الذي طالب من بين ما طالب به “إلغاء نتائج انتخابات محافظات إقليم كردستان وكركوك”! بل تحول هو نفسه إلى “مفتي دستوري” من خلال إرساله كتابا إلى مفوضية الانتخابات يصف فيه قرار مجلس النواب بأن “فيه مخالفة للدستور وقانون المفوضية”! أي أن الموقف الفئوي/ الحزبي كان مرة أخرى سببا وحيدا لتحرك رئيس الجمهورية بوصفه ضامنا لحماية الدستور بعد تعطيله المصادقة على قانون الموازنة الاتحادية بسبب حصة الإقليم، كما كان هذا الموقف أيضا سببا في رفض المصادقة الوحيد الذي استخدمه المرحوم جلال الطالباني ضد قانون انتخابات مجالس المحافظات لعام 2009 وكان متعلقا بانتخابات كركوك!

 أما مجلس الوزراء ورئيسه فتذكرا فجأة طبيعة مسؤولياتهم وصلاحياتهم، الحقيقية والمفترضة! فتم بعد إعلان النتائج الابتدائية للانتخابات التي وضعت قائمة النصر/ العبادي في المركز الثالث مباشرة توجيه كتاب إلى هيئة النزاهة للتحقيق مع مفوضية الانتخابات، تحديدا فيما يتعلق بعدم عرض الأجهزة على شركة فاحصة! ثم كان هناك اجتماع آخر يوم 24 أيار/ مايو حضره “رئيس مجلس الوزراء ورئيس مجلس القضاء الأعلى ورئيس ديوان الرقابة المالية ورئيس جهاز الأمن الوطني ورئيس هيئة النزاهة ورئيس جهاز المخابرات الوطني” فضلا عن فريق من مستشارية الأمن الوطني الخاص بالأنظمة الالكترونية “أثبت بالأدلة سهولة اختراق النظام والتلاعب بالنتائج وتأكيدها بنماذج على حصول خرق في النظام”! وانتهى الاجتماع إلى تشكيل لجنة عليا لدراسة التقارير والمعلومات المتعلقة بالانتخابات وأن تقدم توصياتها لاحقا. وفعلا قدمت هذه اللجنة العليا توصياتها إلى مجلس الوزراء الذي قرر في جلسته يوم الثلاثاء 5 حزيران/ يونيو 2018 المصادقة على الاستنتاجات والتوصيات التي قدمتها هذه اللجنة، والتي تضمنت: “عد وفرز يدوي بما لا يقل عن 5٪ في جميع المراكز، وإلغاء نتائج الخارج والنازحين لثبوت خروقات وتزوير جسيم ومتعمد وتواطؤ”.

المحكمة الاتحادية ومجلس القضاء الأعلى أيضا كان لها دورها السلبي في هذه الأزمة/ المتاهة، فالمحكمة الاتحادية أصدرت في 20 أيار/ مايو بيانا تنصلت فيه عن أي مسؤولية تجاه الانتخابات باستثناء المصادقة على النتائج النهائية للانتخابات المقرة دستوريا! فقد أشار بيانها إلى أنها تلقت “طلبا” من أحد أعضاء مجلس النواب يتضمن الطعن بالإجراءات الحاصلة أثناء الانتخابات (سبق للمحكمة الاتحادية نفسها أن أصدرت قرارات عديدة بأنها لا تتعاطى مع أي طلب مقدم من عضو مجلس نواب من دون تقديم الطلب بتوقيع رئيس مجلس النواب (القرار 3/ اتحادية/ 2009)، وأن المحكمة الاتحادية لا دور لها قبل تقديم المفوضية القوائم النهائية بأسماء الفائزين للمصادقة عليها كما قرر الدستور، وأنه “في حالة وجود طعن يمكن التقدم به خلال النظر بعملية المصادقة على قوائم الفائزين”، أي أن دور المحكمة الاتحادية يقف عند حد الطعون الفردية على أسماء الفائزين في الانتخابات وليس على مجريات العملية الانتخابية! خاصة وأن المحكمة الاتحادية سبق لها أن أصدرت أكثر من قرار بأنها غير مختصة بإلغاء القرارات التي تصدرها الهيئة القضائية الخاصة بالانتخابات. ويبدو واضحا أن المحكمة الاتحادية الموقرة قد نسيت في بيانها هذا أن من صلاحياتها “الفصل في القضايا التي تنشأ من تطبيق القوانين الاتحادية، والقرارات والأنظمة والتعليمات، والإجراءات الصادرة عن السلطات الاتحادية” (المادة 93/ ثالثا من الدستور)! وأن الانتخابات في النهاية هي تطبيق لقانون اتحادي، ولقرارات وأنظمة وتعليمات أصدرتها مفوضية الانتخابات التي هي سلطة اتحادية!

 أما مجلس القضاء الأعلى فقد أصدر بيانا أوضح فيه أن مهمة الهيئة القضائية للانتخابات تقتصر على الطعون الفردية، وأن الهيئة تبت في هذه الطعون بشكل فردي يخص صاحب الطعن حصرا، وأن لا يمكن للهيئة القضائية أن تصدر قرارات عامة تتعلق بإلغاء نتائج معينة سواء داخل العراق أو خارجه، كما ليس من صلاحيتها إعادة احتساب نسبة معينة من نتائج الانتخابات. من دون أن يطلعنا البيان على الصلاحيات والاختصاصات التي أعطت للهيئة القضائية في العام 2010 أن تقرر إعادة العد والفرز لنتائج انتخابات محافظة بغداد كاملة إذا كان ليس من صلاحية هذه الهيئة إصدار قرارات عامة وأن صلاحيتها تقف عند الطعون الفردية وأن قراراتها تختص بصاحب الطعن/ الفرد حصرا!

 في النهاية، وبعيدا عن الانتخابات، وبعيدا أيضا عن الإشكاليات الدستورية والقانونية التي لا معنى لها في العراق، وحيث علاقات القوة وحدها هي صاحبة القول الفصل دائما. لا بد من الاعتراف بأن الأزمة الجوهرية كانت دائما أزمة سياسية تتعلق بالنظام السياسي نفسه، وأن الأزمات الأمنية المتتالية، بضمنها ظاهرة تنظيم “الدولة” (داعش) نفسها، هي مجرد نتيجة حتمية لهذه الأزمة، وأن هذا النظام السياسي قد فشل فشلا مطلقا ولا بد من إعادة هيكلته بطريقة تمنع إعادة إنتاج مظاهر الفشل التي حكمت العراق طوال السنوات الماضية