خالد القشطيني

من أحرج ساعات الانتظار في أيام صدام حسين ساعة المغادرة للرحيل. كان الوقت قد تجاوز الثامنة صباحاً ولم تحضر سيارة وزارة الإعلام لنقلي إلى «مطار صدام الدولي». قلت لنفسي هذه هي. لقد خدعوني بالموعد. وسرعان ما ستصل سيارة الأمن لأخذي إلى السجن وإعدامي ثلاث مرات؛ مرة عن كل فقرة من الفقرات الثلاث التي انتقدت بها النظام في كتابي الأخير عندئذ.
كان من طبيعة فندق «المنصور ميليا» أن يزدحم برجال الأمن والشرطة والعساكر بعد الثامنة صباحاً. وكان معنى ذلك أن تزدحم المخاوف والهواجس في نفسي. كان كل واحد من هؤلاء الرجال يستطيع أن يلقي القبض على أي واحد منا ويعدمه ثلاث مرات على المشنقة دون أن يسأله أي واحد منا. هكذا قلت لنفسي. ما سر الانتظار؟ لماذا لم تحضر سيارة الإعلام؟ لماذا لا يعتقلونني فوراً وينهون الموضوع؟
سمعت منادياً ينادي: «أستاذ خالد القشطيني!… أستاذ القشطيني!»، التفتّ نحو مصدر الصوت فأضاف قائلاً: تفضل معي. أنا سائق سيارة الإعلام.
هل قال سيارة الإعلام أم سيارة الإعدام؟ تساءلت مع نفسي. فسألته: أنت تأخذني للمطار؟ قال: نعم. آسف على التأخير.
حملت حقائبي متوارياً لئلا يراني ضابط الأمن. انسللت في السيارة ونظراتي تتابع أسماء الشوارع. هل بينها ما يحمل اسم «شارع المشنقة»؟ أو «زقاق المقبرة» أو «ساحة الإعدام»؟ كلا، بل أطلّت علينا في نهاية الطريق اللوحة العالية الضخمة، «مطار صدام الدولي». الحمد لله. إنها فعلاً طريق المطار وفرع المغادرة.
بيد أن الوصول للمطار لم يكن يعني أن الإنسان سيسافر فعلاً ويخرج من البلد بالسلامة. هناك أدب شعبي غني بحكايات، دونها حكايات «ألف ليلة وليلة». كيف أن رجلاً اصطادوه من قاعة الانتظار وعادوا به إلى السجن. وماذا عن حكاية المسافر الذي أنزلوه من الطائرة وأشبعوه ضرباً من بوابتها إلى بوابة سيارة الأمن. وماذا عن الطائرة التي أنزلوها من عنان السماء وأعادوها قبل أن تجتاز الحدود واعتقلوا أحد ركابها سوية مع قبطانها؟
قلت لنفسي: كلا يا سيدي، وصولك إلى المطار لن يعني خروجك من البلد. فتأمل وانتظر.
لا بد أن يخطر على بال القارئ الكريم: يا خالد القشطيني إذا كنت خائفاً لهذه الدرجة من الاعتقال والسجن والإعدام في عهد صدام حسين، فلماذا، وأنت جالس آمن في لندن، تقبل دعوتهم لزيارة البلد وحضور احتفالاتهم وولائمهم؟ يقول المثل: «ابعِدْ عن الشر وغَنِّيلُه». كلام معقول. بيد أنني بصفتي عراقياً وبغدادياً أصيلاً وابن الكرخ، لم أستطع قمع هذا الحب والشوق لبلدي وأهلي وأمتي. ويظهر أنهم كانوا عارفين بذلك… بذلك الضعف في نفسي. فلم تحصل مناسبة في بغداد إلا ودَعوْني إليها. فلم أستطع مقاومة الإغراء فأزج بنفسي في هذا المعترك وأمسك بهذا الطرف من شعرة معاوية!
وها أنا أشارك القارئ الكريم بنتف من تلك المغامرات.